فصل: فأما قصة كعب وصاحبيه

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم **


أخبرنا محمد بن أبي القاسم أخبرنا أحمد بن أحمد أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ حدثنا حبيب بن الحسن حدثنا محمد بن يحيى حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب حدثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال‏:‏ حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال‏:‏ لما تجهز الناس وتهيأوا للخروج إلى مؤتة قال المسلمون‏:‏ صحبكم الله ودفع عنكم فقال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه‏:‏ لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا أو طعنة بيدي حران مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا حتى يقولوا إذا مروا على جدثي أرشدك الله من غاز وقد رشدا ثم مضوا حتى نزلوا أرض الشام فبلغهم أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم وانضمت إليه المستعربة من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبلي في مائة ألف منهم فأقاموا ليلتين ينظرون في أمرهم وقالوا‏:‏ نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونخبره بعدد عدونا فسمع عبد الله بن رواحة فقال‏:‏ والله يا قوم إن الذي تكرهون للذي خرجتم له تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدة ولا قوة ولا كثرة وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة فقال الناس‏:‏ والله صدق ابن رواحة‏.‏

فمضى الناس‏.‏

أخبرنا محمد بن ناصر وعلي بن أبي عمر قال‏:‏ أخبرنا رزق الله وطراد قالا‏:‏ أخبرنا أبو الحسين بن رشدان أخبرنا ابن صفوان حدثني أبو بكر القرشي قال‏:‏ حدثني أبي حدثنا عبد القدوس بن عبد الواحد الأنصاري قال‏:‏ حدثني الحكم بن عبد السلام بن النعمان بن بشير‏:‏ أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه حين قتل دعى الناس‏:‏ يا عبد الله بن رواحة وهو في جانب العسكر ومعه ضلع جمل ينهشه ولم يكن ذاق طعامًا قبل ذلك بثلاث فرمى بالضلع ثم قال‏:‏ وأنت مع الدنيا ثم تقدم فقاتل ثم أصيبت إصبعه فارتجز وجعل يقول‏:‏ هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقت يا نفسن إن لم تقتلي تموتي هذي حياض الموت قد صليت وما تمنيت فقد لقيت إن تفعلي فعلها هديت ثم قال‏:‏ يا نفس أي شيء تتوقين إلى فلانة فهي طالق ثلاثًا وإلى فلان وفلان - عبيد له - فهم أحرار وإلى معجف - حائط له - فهي لله ورسوله ثم ارتجز وقال‏:‏ يا نفس ما لك تكرهين الجنه أقسمت بالله لتنزلنه طائعة أو لتكرهنه قد طال ما قد كنت مطمئنه هل أنت إلا نطفة في شنه قد أجلب الناس شدو الرنه ومن الحوادث سرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل وهي وراء وادي القرى وبينها وبين المدينة عشرة أيام في جمادى الآخرة سنة ثمان‏.‏

قال علماء السير‏:‏ بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن جماعة من قضاعة قد تجمعوا يريدون أن يدنوا إلى أطراف النبي صلى الله عليه وسلم فدعا صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص فعقد له لواء أبيض وجعل معه راية سوداء وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار ومعهم ثلاثون فرسًا فسار الليل وكمن النهار فلما قرب من القوم بلغه أن لهم جمعًا فبعث رافع بن مكيث الجهني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في مائتين وعقد له لواء وبعث معه سراة المهاجرين والأنصار فيهم أبو بكر وعمر فأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس فقال عمرو‏:‏ إنما قدمت علي مددًا وأنا الأمير فأطاعه ثم لقي جمعًا فهربوا ثم قفل‏.‏

وفي هذه السرية‏:‏ أجنب عمرو فصلى بأصحابه وهو جنب‏.‏

أخبرنا ابن الحصين قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن علي قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن جعفر قال‏:‏ حدثنا عبد الله بن أحمد قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ أخبرنا حسن بن موسى قال‏:‏ حدثنا ابن لهيعة قال‏:‏ أخبرنا يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن عبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال‏:‏ لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ذات السلاسل قال‏:‏ احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك‏.‏

فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح قال‏:‏ فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له فقال‏:‏ ‏"‏ يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب ‏"‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ نعم يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك وذكرت قول الله عز وجل‏:‏ ‏{‏ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا‏}‏ فتيممت ثم صليت فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئًا‏.‏

قالوا‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في ثلاثمائة رجل من المهاجرين والأنصار وفيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رجب إلى حي من جهينة بالقبلية مما يلي ساحل البحر وبينها وبين المدينة خمس ليال فأصابهم في الطريق جوع شديد فأكلوا الخبط وألقى لهم البحر حوتًا عظيمًا فأكلوا منه وانصرفوا ولم يلقوا كيدًا‏.‏

أخبرنا يحيى بن علي المدبر أخبرنا القاضي أبو الحسين أحمد بن محمد السمناني أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي بن عبد الله بن مهدي حدثنا عثمان بن محمد بن أحمد السمرقندي حدثنا أحمد بن شيبان حدثنا سفيان سمع عمر وجابر ابن عبد الله يقول‏:‏ بعثنا النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثمائة راكب وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح في طلب عير قريش فأقمنا على الساحل حتى فني زادنا وأكلنا الخبط ثم أن البحر ألقى إلينا دابة يقال لها العنبر فأكلنا منها نصف شهر حتى صلحت أجسامنا وأخذ أبو عبيدة ضلعًا من أضلاعها فنصبها ونظر إلى أطول بعير في الجيش وأطول رجل فحمله عليه فجاز تحته‏.‏

وقد كان رجل يجر ثلاث حرائر ثم نهاه عنه أبو عبيدة‏.‏

وكانوا يرونه قيس بن سعد‏.‏

قال المصنف‏:‏ هو قيس بن سعد بلا شك وله في ذلك قصة قد ذكرتها في ترجمته‏.‏

الأنصاري إلى خضرة وهي أرض محارب بنجد في شعبان وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا قتادة ومعه خمسة عشر رجلًا إلى غطفان وأمره أن يشن عليهم الغارة فسار الليل وكمن النهار فهجم على حاضر منهم عظيم فأحاط بهم وقاتل منهم رجال فقتلوا من أشرف لهم واستاقوا النعم فكانت الإبل مائتي بعير والغنم ألفي شاة وسبوا سبيًا كثيرًا وجمعوا الغنائم فأخرجوا الخمس فعزلوه ‏"‏ وقسموا ما بقي على أهل السرية فأصاب كل رجل اثنا عشر بعيرًا فصار في سهم أبي قتادة جارية وضيئة فاستوهبها منه رسول الله فوهبها لي فوهبها النبي صلى الله عليه وسلم لمحمية بن جزء‏.‏

وكانت غيبتهم خمس عشرة ليلة‏.‏

ومن الحوادث

 

سرية أبي قتادة الأنصاري

إلى بطن أضم في رمضان وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هم بغزو أهل مكة بعث أبا قتادة في ثمانية نفر سرية إلى بطن إضم - وبينها وبين المدينة ثلاثة برد - ليظن ظان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توجه إلى تلك الناحية وتذهب بذلك الأخبار وكان في السرية محلم بن جثامة فمر عامر بن الأضبط فسلم بتحية الإسلام فأمسك عنه القوم وحمل عليه مسلم فقتله وأخذ سلبه فلما لحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم نزل فيهم القرآن‏:‏ ‏"‏ يا أيها الذين أمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا ‏"‏‏.‏

ولم يلقوا جمعًا فانصرفوا فبلغهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه إلى مكة فلقوه بالسقيا‏.‏

ومن الحوادث

 غزاة الفتح

وكانت في رمضان قال علماء السير‏:‏ لما دخل شعبان على رأس اثنين وعشرين شهرًا من صلح الحديبية كلمت بنو نفاثة - وهم من بني بكر - أشراف قريش أن يعينوهم على خزاعة بالرجال والسلاح وعدوهم ووافوهم بالوتير متنكرين فيهم صفوان بن أمية وحويطب ومكرز فبيتوا خزاعة ليلًا وهم غارون فقتلوا منهم عشرين رجلًا‏.‏

ثم ندمت قريش على ما صنعت وعلموا أن هذا نقض للعهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبًا من خزاعة فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرونه بالذي أصابهم ويستنصرونه فقام وهو يجر رداءه ويقول‏:‏ ‏"‏ لا نصرت إن لم أنصر بني كعب مما أنصر منه نفسي ‏"‏‏.‏

وقدم أبو سفيان بن حرب فسأله أن يجدد العهد فأبى فانصرف فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخفى أمره وقال‏:‏ ‏"‏ اللهم خذ على أبصارهم فلا يروني إلا بغتة ‏"‏ فلما أجمع السير كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم بذلك فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا والمقداد فأخذا كتابه ورسوله‏.‏

أخبرنا هبة الله بن محمد أخبرنا الحسن بن علي التميمي أخبرنا أحمد بن جعفر حدثنا عبد الله بن أحمد قال‏:‏ حدثني أبي حدثنا سفيان عن عمرو قال‏:‏ أخبرني حسن بن محمد بن علي قال‏:‏ أخبرني عبيد الله بن أبي رافع وقال مرة‏:‏ إن عبيد الله بن أبي رافع أخبره أنه سمع عليًا رضي الله عنه يقول‏:‏ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال‏:‏ ‏"‏ انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها ‏"‏‏.‏

فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة فقلنا‏:‏ أخرجي الكتاب قالت‏:‏ ما معي كتاب‏.‏

فقلنا‏:‏ لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب‏.‏

قال‏:‏ فأخرجت الكتاب من عقاصها فأخذنا الكتاب فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه‏:‏ من حاطب بن أبي بمتعة إلى ناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يا حاطب ما هذا ‏"‏ قال‏:‏ لا تعجل علي إني كنت امرًا ملصقًا في قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يدًا يحمون بها قرابتي وما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني ولا أرضى بالكفر بعد الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إنه قد صدقكم ‏"‏‏.‏

فقال عمر‏:‏ دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال‏:‏ ‏"‏ إنه شهد بدرًا ‏"‏‏.‏

وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال‏:‏ ‏"‏ اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ‏"‏‏.‏

رواه أحمد وأخرجاه في الصحيحين‏.‏

قال العلماء في السير‏:‏ وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من حوله من العرب فجلهم أسلم وغفار ومزينة وجهينة وأشجع وسليم فمنهم من وافاه بالمدينة ومنهم من لحقه في الطريق وكان المسلمون في غزاة الفتح عشرة آلاف واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة عبد الله بن أم مكتوم وخرج يوم الأربعاء لعشر ليال خلون من شهر رمضان بعد العصر وقد أقام الزبير في مائتين وعقد الألوية والرايات بقديد ونزل مر الظهران عشاء فأمر أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نارًا ولم يبلغ قريشًا مسيره وهم مغتمون لما يخافون من غزوه فخرج أبو سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء فلما رأوا العسكر أفزعهم وقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم على الحرس تلك الليلة عمر بن الخطاب فسمع العباس بن عبد المطلب صوت أبي سفيان فقال‏:‏ أبا حنظلة فقال‏:‏ لبيك‏.‏

قال‏:‏ فما وراءك قال‏:‏ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عشرة آلاف فأسلم ثكلتك أمك وعشيرتك فأجاره وخرج به وبصاحبيه حتى أدخلهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا وجعل لأبي سفيان أن من دخل داره فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن‏.‏

ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في كتيبته الخضراء وهو على ناقته القصواء بين أبي بكر وأسيد بن حضير فقال أبو سفيان للعباس‏:‏ لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيمًا فقال‏:‏ ويحك إنه ليس بملك ولكنها نبوة قال‏:‏ نعم‏.‏

وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة أن يدخل من كداء والزبير أن يدخل من كدى وخالد بن الوليد من الليط ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذاخر ونهى عن القتال غير أنه أمر بقتل ستة نفر وأربع نسوة‏:‏ عكرمة بن أبي جهل فهرب ثم استأمنت له امرأته أم حكيم بنت الحارث فأمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبار بن الأسود وعبد الله بن سعد بن أبي سرح فاستأمن له عثمان وكان أخاه من الرضاعة ومقيس بن ضبابة قتله نميلة بن عبد الله الليثي والحويرث بن نفيل بن قصي قتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعبد الله ابن هلال بن حطل قتله أبو برزة وقيل سعيد بن حريث وهند بنت عتبة فأسلمت وسارة مولاة عمرو بن هاشم قتلت وقريبة قتلت وفرتنا أومنت حتى ماتت في خلافة عثمان‏.‏

وكل الجنود لم يلقوا جمعًا غير خالد فإنه لقيه صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وعكرمة في جمع من قريش بالخندمة فمنعوه من الدخول وشهروا السلاح ورموه بالنبل فصاح خالد في أصحابه وقاتلهم فقتل أربعة وعشرين رجلًا من قريش وأربعة أنفر من هذيل فلما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثنية أذاخر رأى البارقه فقال‏:‏ ‏"‏ ألم أنه عن القتال ‏"‏ فقيل‏:‏ خالد قوتل فقاتل‏.‏

وقتل من المسلمين رجلان أخطآ الطريق‏:‏ كرز بن جابر وخالد الأشقر‏.‏

وضربت لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبة بالحجون ودخل مكة عنوة فأسلم الناس طائعين وكارهين وطاف بالبيت على راحلته وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا فجعل كلما مر بصنم منها يشير إليه بقضيب في يده ويقول‏:‏ ‏{‏جاء الحق وزهق الباطل‏}‏ فيقع الصنم لوجهه وكان أعظمها هبل وهو وجاه الكعبة فجاء إلى المقام وهو لاصق بالكعبة فصلى خلفه ركعتين ثم جلس ناحية من المسجد وأرسل بلالًا إلى عثمان بن طلحة أن يأتي بمفتاح الكعبة فجاء به عثمان فقبضه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتح الباب ودخل الكعبة فصلى فيها ركعتين وخرج يدعي عثمان بن طلحة فدفع إليه المفتاح وقال‏:‏ ‏"‏ خذوها يا بني أبي طلحة تالدة خالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم ‏"‏‏.‏

ودفع السقاية إلى العباس بن عبد المطلب وأذن بلال بالظهر فوق الكعبة وكسرت الأصنام وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الضحى يومئذ ثمان ركعات‏.‏

أخبرنا ابن الحصين قال‏:‏ أخبرنا ابن المذهب قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن جعفر قال‏:‏ أخبرنا عبد الله بن أحمد قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ أخبرنا محمد بن جعفر قال‏:‏ أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبن أبي ليلى قال‏:‏ ما أخبرني أحد أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى غير أم هانئ فإنها حدثته‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل وصلى ثمان ركعات ما رأته صلى صلاة قط أخف منها غير أنه كان يتم الركوع والسجود‏.‏

أخرجاه في الصحيحين‏.‏

وخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الثاني فقال‏:‏ ‏"‏ إن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرض ‏"‏‏.‏

وخطب على الصفا وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا يبايع الناس على الإسلام ثم بايع النساء فجاءت هند متنكرة فبايعت وجعلت تكسر صنمها وتقول‏:‏ كنا منك وما صافح امرأة في البيعة وإنما كان يقول بلسانه وقال يوم الفتح‏:‏ ‏"‏ لا هجرة ولكن جهاد ونية ‏"‏‏.‏

أخبرنا ابن الحصين بإسناد له عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة‏:‏ ‏"‏ لا هجرة ولكن جهاد ونية ‏"‏ وجلس على الصفا‏.‏

أخبرنا عبد الحق أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد أخبرنا محمد بن عبد الملك حدثنا علي بن عمر الدارقطني أخبرنا أبو القاسم بن منيع حدثنا هدبة بن خالد حدثنا سلام بن مسكين عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبي هريرة‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سار إلى مكة ليفتحها صعد الصفا فخطب الناس فقالت الأنصار بعضهم لبعض‏:‏ أما ا الرجل فأخذته الرأفة بقومه والرغبة في قربته فأنزل الله تعالى الوحي بما قالت الأنصار فقال‏:‏ ‏"‏ يا معشر الأنصار تقولون أما الرجل فقد أدركته الرأفة بقومه والرغبة في قربته فمن أنا إذن كلا والله إني عبد الله ورسوله حقًا المحيا محياكم والممات مماتكم ‏"‏ قالوا‏:‏ والله يا رسول الله ما قلنا ذلك إلا مخافة أن تفارقنا قال‏:‏ ‏"‏ أنتم صادقون عند الله وعند رسوله ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ والله ما فيهم إلا من أبحر بالدموع‏.‏

وهرب يومئذ عبد الله بن الزبعرى ثم عاد فأسلم وهرب هبيرة بن أبي وهب وأقام كافرًا‏.‏

وكان فتح مكة يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان فأقام بها خمس عشرة ليلة يصلي ركعتين ثم خرج إلى حنين واستعمل على مكة عتاب بن أسيد يصلي بهم ومعاذ بن جبل يعلمهم السنن والفقه‏.‏

أخبرنا أبو بكر بن أبي طاهر أخبرنا أبو محمد الجوهري أخبرنا أبو عمر و حيوية أخبرنا أحمد بن معروف أخبرنا الحارث بن أبي أسامة أخبرنا محمد بن سعد أخبرنا الحميدي حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح من أعلى مكة وخرج من أسفل مكة‏.‏

ومن الحوادث في رمضان هذه السنة

 

سرية خالد بن الوليد إلى العزى

لخمس ليال بقين من رمضان وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى العزى ليهدمها فخرج حتى انتهى إليها ثلاثين رجلًا فهدمها ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏ هل رأيت شيئًا ‏"‏ قال‏:‏ لا قال‏:‏ ‏"‏ فإنك لم تهدمها فارجع إليها فاهدمها ‏"‏ فرجع متغيظًا فجرد سيفه فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس فجعل السادن يصيح بها فضربها خالد فجز لها باثنتين ورجع فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏ تلك العزى وقد أيست أن تعبد ببلادكم أبدًا‏.‏

وكانت بنخلة وكانت لقريش وجميع بني كنانة وكانت أعظم أصنامهم وكان سدنتها بنو شيبان‏.‏

قال مؤلف الكتاب‏:‏ وقد اختلف العلماء في العزى على قولين أحدهما‏:‏ أنها شجرة كانت لغطفان يعبدونها‏.‏

قاله مجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ صنم‏.‏

قاله الضحاك‏.‏

وفي رمضان أيضًا كانت

 

سرية عمرو بن العاص إلى سواع

وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه حين فتح مكة إلى سواع وهو صنم لهذيل ليهدمه قال عمرو‏:‏ فانتهيت إليه وعنده السادن فقال‏:‏ ما تريد قلت‏:‏ أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهدمه قال‏:‏ لا تقدر على هدمه قلت‏:‏ ولم قال‏:‏ تمنع قلت‏:‏ ويحك هل يسمع أو يبصر فكسرته وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته وقلت للسادن‏:‏ كيف رأيت قال‏:‏ أسلمت لله عز وجل‏.‏

ومن الحوادث سرية سعد بن زيد الأشهلي في رمضان أيضًا إلى مناة بالمشلل بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة إلى مناة ليهدمها وكانت المشلل للأوس والخزرج وغسان فخرج في عشرين فقال السادن‏:‏ ما تريد قال‏:‏ هدمها قال‏:‏ أنت وذاك‏!‏ فأقبل سعد يمشي إليها وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل الثبور وتضرب صدرها فبصر بها سعد فقتلها وهدموا الصنم‏.‏

قال مؤلف الكتاب‏:‏ وسعد هذا قد شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

ومن الحوادث

 

سرية خالد بن الوليد المخزومي إلى بني جديمة بن كنانة

وكان أسفل مكة على ليلة ناحية يلملم وذلك أن خالدًا لما رجع من هدم العزى بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني جذيمة داعيًا إلى الإسلام ولم يبعثه مقاتلًا وذلك في شوال فخرج في ثلاثمائة وخمسين فلما وصل إليهم قال لهم‏:‏ ما أنتم قالوا‏:‏ مسلمون قد صلينا وصدقنا بمحمد وبنينا المساجد في ساحاتنا وأذنا فيها قال‏:‏ فما بال السلاح عليكم قالوا‏:‏ إن بيننا وبين قوم من العرب عداوة فخفنا أن تكونوا معهم قال‏:‏ فضعوا السلاح فوضعوه فقال‏:‏ استأسروا فاستأسروا فأمر بعضهم يكتف بعضًا وفرقهم في أصحابه فلما كان السحر نادى خالد‏:‏ من كان معه أسير فليجهز عليه بالسيف فأما بنو سليم من أصحابه فقتلوا من كان معهم وأما المهاجرون والأنصار فأرسلوا أسراهم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏ اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ‏"‏‏.‏

وبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه فودى قتلاهم‏.‏

وفيها‏:‏ أسلم أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة والحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وهشام بن الأسود وحويطب بن عبد العزى وشيبة بن عثمان والنضر بن الحارث‏.‏

ومن الحوادث

 

غزوة حنين

وحنين واد بينه وبين مكة ثلاث ليال وهي غزوة هوازن وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة مشت أشراف هوازن وثقيف بعضها إلى بعض وحشدوا وبغوا‏.‏

وجمع أمرهم مالك بن عوف النصري فأمرهم فجاءوا معهم بأموالهم ونسائهم وأمهاتهم حتى نزلوا بأوطاس وجعلت الأمداد تأتيهم وأخرجوا معهم دريد بن الصمة وهو أعمى ابن سبعين ومائة سنة يقاد وهو في شجار وهو مركب من أعواد يهيأ للنساء فقال‏:‏ بأي وادهم قالوا‏:‏ بأوطاس قال‏:‏ نعم مجال الخيل لا حزن ضرس ولا سهل دهس - أي لين - ما لي أسمع رغاء الإبل ويعار الشاء قيل له‏:‏ ساق مالك بن عوف مع الناس الظعن والأموال فقال‏:‏ ما هذا يا مالك قال‏:‏ أردت أن أحفظ الناس - يعني أذمرهم من الحفيظة أن يقاتلوا عن أهاليهم وأموالهم فانقض به - أي صفق بيده - وقال‏:‏ راعي الضأن ماله وللحرب وقال‏:‏ أنت محل بقومك وفاضح عورتك - أي قد أبحت شرفهم - لو تركت الظعن في بلادهم والنعم في مراتعها ولقيت القوم بالرجال على متون الخيل والرجال بين أضعاف الخيل ومقدمة ذرية أما الخيل كان الرأي والذرية مقدمة الخيل‏.‏

فأجمع القوم السير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة يوم السبت لست ليال خلون من شوال في اثني عشر ألفًا من المسلمين‏:‏ عشرة آلاف من المسلمين من أهل المدينة وألفان من المسلمين من أهل مكة‏.‏

فقال رجل‏:‏ لا نغلب اليوم من قلة‏.‏

وخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ناس من المشركين كثر منهم‏:‏ صفوان ابن أمية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار منه مائة درع بأداتها فانتهى إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء لعشر ليال خلون من شوال فبعث مالك بن عوف ثلاثة نفر يأتونه بخبر ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي حدرد فدخل عسكرهم فطاف به وجاء بجبرهم فلما كان من الليل عمد مالك إلى أصحابه فعبأهم في وادي حنين فأوعز إليم أن يحملوا على محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه حملة واحدة وعبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في السحر وصفهم صفوفًا ووضع الألوية والرايات في أصحابه فمع المهاجرين لواء حمله علي بن أبي طالب وراية يحملها سعد بن أبي وقاص وراية يحملها عمر بن الخطاب ولواء الخزرج يحمله حباب بن المنذر ولواء الأوس مع أسيد بن حضير وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلته البيضاء التي تسمى الدلدل ولبس درعين والمغفر والبيضة فاستقبلهم من هوازن شيء لم يروا مثله قط من الكثرة وذلك في غبش الصبح وحملوا حملة واحدة فانهزم الناس فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ يا أنصار الله وأنصار رسوله أنا عبد الله ورسوله ‏"‏‏.‏

ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العسكر وثاب إليه من انهزم وثبت معه يومئذ علي والفضل والعباس وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث وأبو بكر وعمر وأسامة بن زيد في ناس من أهل بيته وأصحابه‏.‏

أخبرنا ابن الحصين قال‏:‏ أخبرنا ابن المذهب قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن جعفر قال‏:‏ أخبرنا عبد الله بن أحمد قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ أخبرنا عبد الرزاق قال‏:‏ حدثنا معمر عن الزهري قال‏:‏ أخبرني كثير بن عباس بن عبد المطلب عن أبيه العباس قال‏:‏ شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينًا قال‏:‏ لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وما معه إلا أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطب فلزمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نفارقه وهو على بغلة شهباء - وربما قال معمر‏:‏ بيضاء - أهداها له فروة بن نعامة الجذامي فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين وطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار‏.‏

قال العباس‏:‏ وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها وهو لا يألو ما أسرع نحو المشركين وأبو سفيان بن الحارث آخذ بغرز رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يا عباس ناد يا أصحاب السمرة ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وكنت رجلًا صيتًا فقلت بأعلى صوتي‏:‏ أين أصحاب السمرة قال‏:‏ فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البكر على أولادها‏.‏

فقالوا‏:‏ يا لبيك يا لبيك‏.‏

يا لبيك ووافاهم المسلمون فاقتتلوا هم والكفار فنادت الأنصار يقولون‏:‏ يا معشر الأنصار‏.‏

ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج فنادوا‏:‏ يا بني الحارث بن الخزرج‏.‏

قال‏:‏ فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ هذا حين حمي الوطيس ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال‏:‏ ‏"‏ انهزموا ورب الكعبة انهزموا ورب الكعبة ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى قال‏:‏ فوالله ما هو إلا أن رماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلًا وأمرهم مدبرًا حتى هزمهم الله‏.‏

قال‏:‏ وكأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يركض خلفهم على بغلته‏.‏

قال أحمد‏:‏ وحدثنا عفان قال‏:‏ حدثنا حماد بن سلمة قال‏:‏ أخبرنا يعلى بن عطاء عن عبد الله بن سيار عن أبي عبد الرحمن الفهري قال‏:‏ كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين فسرنا في يوم قائظ شديد الحر فنزلنا تحت ظلال شجرة فلما زالت الشمس لبست لأمتي وركبت فرسي فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في فسطاطه فقلت‏:‏ السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته حان الرواح فقال‏:‏ ‏"‏ أجل يا بلال ‏"‏ فثار من تحت سمرة كأن ظله ظل طائر فقال‏:‏ لبيك وسعديك وأنا فداؤك فقال‏:‏ ‏"‏ أسرج لي فرسي ‏"‏ فأخرج سرجًا دفتاه من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر شال‏:‏ فأسرج فركب وركبنا فصادفناهم عشيتنا وليلتنا فتشامت الخيلان فولى المسلمون مدبرين كما قال الله عز وجل‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله ‏"‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏"‏ يا معشر المهاجرين أنا عبد الله ورسوله ‏"‏ قال‏:‏ ثم اقتحم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرسه فأخذ كفًا من تراب فأخبرني الذي كان أدق إليه مني أنه ضرب به وجوههم وقال‏:‏ ‏"‏ شاهت الوجوه ‏"‏ فهزمهم الله عز وجل‏.‏

قال يعلى بن عطاء‏:‏ فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا‏:‏ لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه ترابًا وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على الطست الحديد‏.‏

قال أحمد‏:‏ وأخبرنا عارم حدثنا معتمر بن سليمان التميمي قال سمعت أبي يقول‏:‏ حدثنا السميط السدوسي عن أنس بن مالك قال‏:‏ لما فتحنا مكة غزونا حنينًا فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت فصف الخيل ثم صفت المقاتلة ثم صفت النساء من وراء ذلك ثم صفت الغنم ثم صفت النعم قال‏:‏ ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف وعلى مجنبة خيلنا خالد بن الوليد قال‏:‏ فجعلت خيولنا تلوذ خلف ظهورنا قال‏:‏ فلم تلبث أن انكشفت خيولنا وفرت الأعراب ومن تعلم من الناس قال‏:‏ فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يا للمهاجرين يا للمهاجرين ‏"‏ ثم قال‏:‏ ‏"‏ يا للأنصار يا للأنصار ‏"‏‏.‏

قال أنس‏:‏ هذا حديث عمه قال‏:‏ قلنا‏:‏ لبيك يا رسول الله قال‏:‏ فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأيم الله ما أتيناهم حتى هزمهم الله قال‏:‏ فقبضنا ذلك المال ثم انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة ثم رجعنا إلى مكة‏.‏

قال علماء السير‏:‏ لما انهزموا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل من قدر عليه منهم فحنق المسلمون عليهم فجعلوا يقتلونهم حتى قتلوا الذرية فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الذرية وكان سيماء الملائكة يوم حنين عمائم حمر قد أسدلوها بين أكتافهم‏.‏

وعقد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي عامر الأشعري لواء ووجهه في طلبهم فمنهم من ذهب إلى الطائف ومنهم من ذهب إلى نخلة وقتل أبو عامر ممن لحق تسعة ثم قتل واستخلف أبو عامر أبا موسى الأشعري فقاتلهم‏.‏

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف من سلك طريق نخلة قومًا فلقي منهم ربيعة بن رفيع دريد بن الصمة فقال له‏:‏ ما تريد قال‏:‏ قتلك ثم ضربه ربيعة فلم يغن شيئًا فقال دريد‏:‏ بئسما سلحتك أمك خذ سيفي من مؤخر الرحل ثم اضرب به وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ فإني كنت كذلك أقتل الرجال فإذا أتيت أمك فقل‏:‏ قتلت دريد بن الصمة فقتله‏.‏

وكان في تلك الغزوة أم سليم معها خنجر‏.‏

أخبرنا ابن الحصين قال‏:‏ أخبرنا ابن المذهب قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر بن مالك قال‏:‏ أخبرنا عبد الله بن أحمد قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ أخبرنا أبو أسامة عن سليمان بن المضرة عن ثابت عن أنس قال‏:‏ جاء أبو طلحة يوم حنين يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم من أم سليم قال‏:‏ يا رسول الله ألم تر إلى أم سليم معها خنجر فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ما تصنعين به يا أم سليم ‏"‏ قالت‏:‏ أردت إن دنا مني أحد منهم طعنته به‏.‏

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رحل فانتهى إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة فأقام بها ثلاث عشرة ليلة فلما أراد الانصراف إلى المدينة خرج ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة ليلًا وأحرم بعمرة ودخل مكة وطاف وسعى وحلق رأسه ثم رجع إلى الجعرانة من ليله كبايت ثم انصرف يوم الخميس إلى المدينة‏.‏

وجاء وفد هوازن فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عبد الله بن عمرو‏:‏ سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أمنن علينا فقام رجل منهم من بني سعد بن بكر بن هوازن - وبنو سعد هم الذين أرضعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم - يقال له‏:‏ زهير بن صرد‏:‏ لو أنا سألنا الحارث بن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ورجونا عطفه ثم أنشد يقول‏:‏ أمنن علينا رسول الله في كرم فإنك المرء نرجوه وندخر في أبيات أخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أيما أحب إليكم أبناؤكم ونساؤكم أم أموالكم ‏"‏ فقالوا‏:‏ نساؤنا وأبناؤنا فقال‏:‏ ‏"‏ أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم فإذا أناصليت بالناس فقولوا‏:‏ إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا فإني سأعطيكم وأسأل لكم ‏"‏ فقاموا وقالوا فقال‏:‏ ‏"‏ أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم ‏"‏ فقال المهاجرون‏:‏ ما كان لنا فهو لرسول الله وقال الأنصار كذلك وقال الأقرع بن حابس‏:‏ أما أنا وبنو تميم فلا وقال عيينة بن حصن‏:‏ أما أنا وبنو فزارة فلا وقال عباس بن مرداس‏:‏ أما أنا وبنو سليم فلا فقال بنو سليم‏:‏ ما كان لنا فهو لرسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ من أمسك حقه فله بكل إنسان ست فرائض من أول شيء نصيبه فردوا إلى الناس أبناءهم ونساءهم ‏"‏‏.‏

أخبرنا محمد بن عبد الباقي البزار أخبرنا أبو محمد الجوهري أخبرنا ابن حيوية أخبرنا أحمد بن معروف أخبرنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا محمد بن سعد عن عبد الله بن جعفر وابن أبي ميسرة وغيرهم قالوا‏:‏ قدم وفد هوازن على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة بعد ما قسم الغنائم وفي الوفد عم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة أبو برقان فقال يومئذ‏:‏ يا رسول إنما في هذه الحظائر من كان يكلأوك من عماتك وخالاتك وحواضنك قد حضناك في حجورنا وأرضعناك ثدينا ولقد رأيتك مرضعًا فما رأيت خيرًا منك ورأيتك فطيمًا فما رأيت فطيمًا خيرًا منك ورأيتك شابًا فما رأيت شابًا خيرًا منك وقد تكاملت فيك خلال الخير ونحن مع ذلك أهلك وعشيرتك فامنن علينا من الله عليك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ قد استأنيت بكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون ‏"‏ وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم السبي وجرت فيه السهمان وقدم عليه أربعة عشر رجلًا من هوازن مسلمين وجاءوا بإسلام من وراءهم من قومهم وكان رأس القوم والمتكلم أبو صرد زهير بن صرد فقال يا رسول الله إنا أصل وعشيرة وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك يا رسول الله إنما في هذه الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك ولو ملحنا للحارث بن شمر أو النعمان بن المنذر ثم نزلا منا مثل الذي نزلت به رجونا عطفهما علينا وأنت خير المكفولين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إن خير الحديث أصدقه وعندي من ترون من المسلمين فأبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم ‏"‏ قالوا‏:‏ ما كنا نعدل بالأنساب شيئًا فرد علينا أبناءنا ونساءنا فقال‏:‏ ‏"‏ أما ما لي ولبني عبد المطلب فهو لكم وأسأل لكم الناس فإذا صليت الظهر بالناس فقولوا نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله وإني سأقول لكم ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم وسأطلب لكم إلى الناس ‏"‏‏.‏

فلما صلى الظهر قاموا فتكلموا بما قال لهم فرد عليهم‏:‏ ‏"‏ ما كان لي ولبني عبد المطلب ‏"‏ ورد المهاجرون ورد الأنصار وسأل قبائل العرب فاتفقوا على قول واحد بتسليمهم برضاهم ودفع ما كان بأيديهم من السبي إلا قوم تمسكوا بما في أيديهم فأعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إبلًا عوضًا عن ذلك‏.‏

قال علماء السير‏:‏ وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد هوازن عن مالك بن عوف فقالوا‏:‏ هو بالطائف فقال‏:‏ ‏"‏ إن أتاني مسلمًا رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل ‏"‏ فبلغه فأتى وأسلم فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم واستعمله على قومه وعلى من أسلم من حول الطائف‏.‏

فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد السبي ركب وتبعه الناس يقولون‏:‏ اقسم علينا الإبل والغنم حتى ألجأوه إلى شجرة فخطفت رداءه فقال‏:‏ ‏"‏ ردوا علي ردائي فوالله لو كان لي عدد شجر تهامة نعمًا لقسمتها عليكم ثم لا تجدوني بخيلًا ولا جبانًا ‏"‏‏.‏

ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغنائم فجمعت فكان السبي ستة آلاف رأس‏.‏

وقال مؤلف الكتاب‏:‏ وقد ذكرنا أنه رد ذلك وكانت الإبل أربعة وعشرين ألف بعير والغنم أكثر من أربعين ألف شاة وأربعة آلاف أوقية فضة فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم وأعطى أبا سفيان بن حرب أربعين أوقية ومائة من الإبل قال‏:‏ ابني يزيد قال‏:‏ ‏"‏ أعطوه أربعين أوقية ومائة من الإبل ‏"‏ قال‏:‏ ابني معاوية قال‏:‏ ‏"‏ أعطوه أربعين أوقية ومائة من الإبل ‏"‏ وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل ثم سأله مائة أخرى فأعطاه أو أعطى النضر بن الحارث مائة من الإبل وكذلك أسيد بن حارثة والحارث بن هشام وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وقيس بن عدي وحويطب والأقرع بن حابس وعيينة ومالك بن عوف‏.‏

وأعطى العلاء بن حارثة خمسين بعيرًا وكذلك مخرمة بن نوفل وعثمان بن وهب وسعيد بن يربوع وهشام بن عمرو وذلك كله من الخمس وأعطى العباس بن مرداس أباعر فلم يرض وقال‏:‏ أتجعل نهبي ونهب الع نيد بين عيينة والأقرع والعنيد اسم فرسه فزاده حتى رضي‏.‏

وكانت هذه القسمة بالجعرانة وحينئذ تكلمت الأنصار وقالوا‏:‏ أما عند القتال فنحن وحينئذ قام ذو الخويصرة فقال‏:‏ أعدل فإنك لم تعدل‏.‏

روى جابر قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة وهو يقسم الغنائم والتبر وهو في حجر بلال فقام رجل فقال‏:‏ اعدل يا محمد فإنك لم تعدل فقال عمر‏:‏ دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إن هذا في أصحاب له وإن قال مؤلف الكتاب‏:‏ وهذا الرجل يعرف بذي الخويصرة‏.‏

ومن الحوادث بعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي بالبحرين يدعوه إلى الإسلام إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف من الجعوانة بعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي العبدي وهو بالبحرين يدعوه إلى الإسلام وكتب له كتابًا فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامه‏:‏ إني قد قرأت كتابك على أهل هجر فمنهم من أعجبه الإسلام ودخل فيه ومنهم من كرهه وما رضي يهود ومجوس فأحدث إلي في ذلك أمرك‏.‏

فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية ‏"‏‏.‏

ومن الحوادث

 

سرية الطفيل بن عمرو السدوسي إلى ذي الكفين

صنم عمرو بن حممة الدوسي وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد المسير إلى الطائف بعث الطفيل بن عمرو إلى ذي الكفين وأمره أن يستمد قومه ويوافيه بالطائف فخرج فهدم ذا الكفين وأخذ من قومه أربعمائة فوافوا النبي صلى الله عليه وسلم بالطائف وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد ثعلبة فأجارهم‏.‏

ومن الحوادث في شوال غزوة الطائف وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من حنين يوم الطائف وقدم خالد بن الوليد على مقدمته وقد كانت ثقيف رموا حصنهم وأدخلوا فيه ما يصلحهم لسنة وتهيأوا للقتال‏.‏

وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل قريبًا من حصن الطائف وعسكر هناك فرموا المسلمين بالنبل حتى أصيب ناس من المسلمين ورمي عبد الله بن أبي بكر الصديق يومئذ فاندمل الجرح ثم انتقض به بعد ذلك فمات منه فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر يومًا وقيل‏:‏ خمسة عشر يومًا ونصب عليهم المنجنيق ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر ‏"‏‏.‏

فخرج بضعة عشر رجلًا فيهم أبو بكرة فنزل في بكرة فقيل أبو بكرة ولم يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم في فتح الطائف فأذن بالرحيل فقال المسلمون‏:‏ نرحل ولم يؤذن بفتح لنا قال‏:‏ ‏"‏ فاغدوا على القتال ‏"‏ فقاتلوا أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن علي الجوهري أخبرنا ابن حيويه أخبرنا أحمد بن معروف أخبرنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا محمد بن صعد أخبرنا قبيصة حدثنا سفيان عن ثور عن مكحول‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف أربعين يومًا‏.‏

ومما جرى في هذا الحصار ما أخبرنا به عبد الله بن علي المقري ومحمد بن ناصر الحافظ قالا‏:‏ أخبرنا طراد بن محمد أخبرنا أبو الحسن بن بشران أخبرنا ابن صفوان حدثنا أبو بكر القرشي حدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا جرير عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة قالت‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسًا في بيت أم سلمة وعنده مخنث جالس فقالا لعبد الله بن أبي أمية أخي أم سلمة‏:‏ يا عبد الله إن فتح الله عليكم الطائف غدًا أدلك على بنت غيلان امرأة من ثقيف تقبل بأربع وتدبر بثمان - يعني عكناها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لا يدخل هذا عليكن ‏"‏‏.‏

قال مؤلف الكتاب‏:‏ اسم هذا المخنث هيت وقيل‏:‏ ماتع‏.‏

وكان المخنثون على عهد رسول الله إسلام عروة بن مسعود الثقفي‏.‏

أخبرنا محمد بن أبي طاهر أخبرنا أبو محمد الجوهري أخبرنا ابن حيوية أخبرنا أحمد بن معروف أخبرنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا محمد بن سعد أخبرنا محمد بن عمير الأسلمي عن عبد الله بن أبي يحيى الأسلمي عن من أخبره قالوا‏:‏ لم يحضر عروة بن مسعود وغيلان بن سلمة حصار الطائف كانا بجرش يتعلمان صنعة العرادات والمنجنيق والدبابات فقدما وقد انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطائف فنصبا المنجنيق والعرادات والدبابات واعتدا للقتال ثم ألقى الله في قلب عروة بن مسعود الإسلام وغيره عما كان عليه فخرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استأذن في الخروج إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام فقال‏:‏ إنهم إذا قاتلوك قال‏:‏ لا أنا أحب إليهم من أبكار أولادهم ثم استأذنه الثانية ثم الثالثة فقال‏:‏ إن شئت فاخرج‏.‏

فخرج إلى الطائف فقدم عشاء فدخل منزله فجاء قومه فحيوه بتحية الشرك فقال‏:‏ عليكم بتحية أهل الجنة السلام ثم دعاهم إلى الإسلام فخرجوا من عنده يأتمرون به فلما طلع الفجر أوفى على غرفة له فأذن بالصلاة فخرجت ثقيف من كل ناحية فرماه رجل من بني مالك يقال له أوس بن عوف فأصاب أكحله فلم يروا دمه وقام غيلان بن سلمة وكنانة بن عبد يا ليل والحكم بن عمرو ووجوه الأحلاف فلبسوا السلاح وساروا فلما رأى ذلك عروة قال‏:‏ قد تصدقت بدمي على صاحبه لأصلح بذلك بينكم وهي كرامة أكرمني الله بها وشهادة ساقها الله إلي ادفنوني مع الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات فدفنوه معهم وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهم فقال‏:‏ ‏"‏ قتله كقتل صاحب ياسين دعا قومه إلى الله فقتلوه ‏"‏‏.‏

ومما جرى في مسير رسول إلى الطائف أنهم مروا بقبر أبي رغال أخبرنا محمد بن عمر الأرموي قال‏:‏ أخبرنا أبو الحسين بن النقور أخبرنا أبو الحسن علي بن عمر السكري أخبرنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي حدثنا يحيى بن معين حدثنا وهب ببن جرير بن حازم قال‏:‏ أخبرني أبي قال‏:‏ سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن إسماعيل بن أمية بن أبي بكير يقول‏:‏ سمعت عبد الله بن عمرو يقول‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر فقال‏:‏ ‏"‏ هذا قبر أبي رغال وهو أبو ثقيف كان من ثمود وكان هذا الحرم يدفع عنه فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب فإن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه ‏"‏‏.‏

فابتدره الناس فاستخرجوا منه الغصن‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ طلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق سودة فجعلت يومها لعائشة فراجعها‏.‏

كذا قال ابن حبيب الهاشمي‏.‏

وقال غيره‏:‏ أراد طلاقها فقالت‏:‏ دعني أحشر في نسائك واجعل يومي لعائشة‏.‏

وفيها‏:‏ سال بطحان سيلًا عظيمًا لم يسل في الجاهلية ولا الإسلام مثله‏.‏

وفيها‏:‏ غلا السعر فقالوا‏:‏ سعر لنا‏.‏

أخبرنا هبة الله بن محمد قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن علي قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر بن مالك قال‏:‏ حدثنا عبد الله بن أحمد قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ أخبرنا سريج ويونس بن محمد قالا‏:‏ أخبرنا حماد بن سلمة عن قتادة وثابت البناني عن أنس بن مالك قال‏:‏ غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ يا رسول الله لو سعرت لنا قال‏:‏ ‏"‏ إن الله هو الخالق القابض الباسط الرازق المسعر وإني لأرجو أن ألقى الله عز وجل ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال ‏"‏ وفي هذه السنة ولد إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مارية وذلك في ذي الحجة أخبرنا أبو بكر بن أبي طاهر قال‏:‏ أخبرنا أبو محمد الجوهري قال‏:‏ أخبرنا أبو عمرو بن حيوية قال‏:‏ أخبرنا أبو الحسين بن معروف قال‏:‏ أخبرنا الحسين بن الفهم قال‏:‏ حدثنا محمد بن سعد قال‏:‏ حدثنا محمد بن عمر قال‏:‏ أخبرنا يعقوب بن محمد بن أبي صعصعه عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قالوا‏:‏ ولدت مارية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت قابلتها سلمى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجت إلى زوجها أبي رافع فأخبرته بأنها قد ولدت غلامًا فجاء أبو رافع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبشره فوهب له عبدًا وسماه إبراهيم وعق عنه بشاة يوم سابعه وحلق رأسه فتصدق بزنة شعره فضة على المساكين وأمر بشعره فدفن في الأرض وتنافست فيه نساء الأنصار أيتهن ترضعه فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم بردة بنت المنذر بن زيد وزوجها البراء بن أوس وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي أم بردة فيقيل عندها ويرى إبراهيم‏.‏

وغار نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد عليهن حين رزق منها الولد‏.‏

قال محمد بن عمر حدثني ابن أبي سبرة عن إسحاق بن عبد الله عن أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حجب مارية وكانت قد ثقلت على نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم وغرن عليها ولا مثل عائشة‏.‏

قال محمد بن عمر وحدثني محمد بن عبد الله عن الزهري عن أنس قال‏:‏ لما ولد إبراهيم جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ السلام عليك يا أبا إبراهيم‏.‏

قال محمد بن سعد‏:‏ وحدثنا عفان حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا ثابت البناني حدثنا أنس بن مالك قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ولد لي الليلة غلام فسميته بأبي إبراهيم ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ ثم دفعه إلى أم سيف - امرأة لصبي بالمدينة يقال له أبو سيف فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبعته حتى انتهينا إلى أبي سيف وهو ينفخ بكيره وقد امتلأ البيت دخانًا فأسرعت في المشي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهينا إلى أبي سيف فقلت‏:‏ يا أبا سيف أمسك فقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمسك ودعا رسول قال محمد بن عمر‏:‏ وحدثني محمد بن عبد الله عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ لما ولد إبراهيم جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي فقال‏:‏ ‏"‏ انظري إلى شبهه بي ‏"‏ فقلت‏:‏ ما أرى شبهًا فقال‏:‏ ‏"‏ ألا ترين إلى بياضه ولحمه ‏"‏ فقلت‏:‏ إنه من قصر عليه اللقاح أبيض وسمن‏.‏

وقال محمد بن سعد قال محمد بن عمر‏:‏ وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قطعة غنم تروح عليه ولبن لقاح له‏.‏

 

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم‏:‏ أسلم قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية ومعه زوجته أسماء بنت عميس فولدت له هناك عبد الله ومحمدًا وعونًا ولم يزل بالحبشة حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر فالتزمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل بين عينيه وقال‏:‏ ‏"‏ ما أدري بأيهما أفرح بقدوم جعفر أم بفتح خيبر ‏"‏‏.‏

وقال له‏:‏ ‏"‏ أشبهت خلقي وخلقي ‏"‏‏.‏

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر زيدًا يوم مؤتة وقال‏:‏ ‏"‏إن قتل فجعفر‏"‏ فقتل فتقدم جعفر فقاتل حتى قتل فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وأمهل آل عفر ثلاثًا قال‏:‏ ‏"‏ لا تبكوا على أخي بعد اليوم ‏"‏ وقال ‏"‏ إن له جناحين يطير بهما حيث شاء من الجنة ‏"‏‏.‏الحويرث بن عبد الله بن خلف بن مالك بن عبد الله وهو الملقب بأبي اللحم وكان قد أبى أكل ما ذبح على الأصنام وقتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين‏.‏

زيد بن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى بن امرئ القيس

يقال له الدفي وأمه سعدى بنت ثعلبة بن عامر زارت قومها وزيد معها فأغارت خيل لبني القين في الجاهلية فمروا على أبيات بني معن فاحتملوا زيدًا وهو يومئذ غلام يفعة فوافوا به سوق عكاظ فعرض للبيع فاشتراه حكيم بن حرام لعمته خديجة بأربع مائة درهم فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته له وكان أبو حارثة حين فقد قال‏:‏ فوالله ما أدري وإن كنت سائلًا أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل فيا ليت شعري هل لك الدهر رجعة فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل تذكرنيه الشمس عند طلوعها وتعرض ذكراه إذا قارب الطفل وإن هبت الأرياح هيجن ذكره فيا طول ما حزني عليه ويا وجل سأعمل نص العيش في الأرض جاهدًا ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل حياتي أو تأتي علي منيتي وكل امرئ فإن وإن غره الأمل وأوصي به قيسًا وعمرًا كليهما وأوصي يزيدًا ثم من بعدهم جبل يعني جبلة بن حارثة أخا زيد ويزيد أخو زيد لأمه فحج ناس من كلب فرأوا زيدًا فعرفوا زيدًا وعرفوه فقال‏:‏ بلغوا أهلي عني هذه الأبيات فإني أعلم أنهم قد جزعوا علي فقال‏:‏ ألكني إلى قومي وإن كنت نائيًا بأني قطين البيت عند المشاعر فكفوا عن الوجد الذي قد شجاكم ولا تعملوا في الأرض نص الأباعر فإني بحمد الله في خير أسرة كرام معد كابرًا بعد كابر فانطلقوا فأعلموا أباه فخوج حارثة وكعب ابنا شراحيل بفدائه فقدما به مكة فسألا‏.‏

عن سيد قومه أنتم أهل حرم الله وجيرانه تفكون العاني وتطعمون الأسير جئناك في ابننا عندك فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه فإنا سنرفع لك في الفداء قال‏:‏ ‏"‏ من هو ‏"‏ قالوا‏:‏ زيد بن حارثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ فهلا غير ذلك ‏"‏ قالوا‏:‏ ما هو قال‏:‏ ‏"‏ دعوه فخيروه فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدًا ‏"‏ قالوا‏:‏ قد زدتنا على النصفة وأحسنت فدعاه فقال‏:‏ ‏"‏ هل تعرف هؤلاء ‏"‏ قال‏:‏ نعم هذا أبي وهذا عمي قال‏:‏ ‏"‏ فأنا من قد علمت ورأيت محبتي لك فاخترني أو اخترهما ‏"‏ فقال زيد‏:‏ ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا أنت مني بمكان الأب والعم قالا‏:‏ ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك قال‏:‏ نعم قد رأيت من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا أبدًا‏.‏

فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أخرجه إلى الحجر فقال‏:‏ ‏"‏ يا من حضر اشهدوا أن زيدًا ابني أرثه ويرثني ‏"‏ فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما وانصرفا فدعي زيد بن محمد حتى جاء الإسلام وزوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش فلما طلقها تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم الناس في ذلك وقالوا‏:‏ تزوج امرأة ابنه فأنزلت‏:‏ ‏"‏ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ‏"‏ قال مؤلف الكتاب‏:‏ أخبرنا بهذا كله أبو بكر بن أبي طاهر قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن علي الجوهري قال‏:‏ أخبرنا أبو عمر بن حيويه قال‏:‏ أخبرنا أبو الحسين بن معروف قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن الفهم قال‏:‏ حدثنا محمد بن سعد‏.‏

وقال محمد بن سعد‏:‏ وأخبرنا الواقدي قال‏:‏ أخبرنا محمد بن الحسن بن أسامة بن زيد عن أبيه قال‏:‏ كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين زيد عشر سنين رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر منه وكان زيد رجلًا قصيرًا آدم شديد الأدمة في أنفه فطس وكان يكنى أبا أسامة‏.‏

وقال الزهري‏:‏ أول من أسلم زيد‏.‏

قال أهل السير‏:‏ وشهد بدرًا وأحدًا والخندق والحديبية وخيبر واستخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة حين خرج إلى المريسيع وخرج أميرًا في سبع سرايا ولم يسم أحد في القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم باسمه غيره وكان له من الولد زيد - هلك صغيرًا - ورقية أمهما أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وأسامة أمه أم أيمن حاضنة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقتل في غزاة مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان وهو ابن خمس وخمسين سنة‏.‏

كانت أكبر بناته وأول من تزوج منهن تزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع فولدت له عليًا وأمامة‏.‏

وأسلمت زينب وهاجرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى أبو العاص أن يسلم ثم أسر في بعض المشاهد فدخل عليها فاستجار بها فأجارته ثم بعث بفدائه ثم أسلم فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنكاح جديد وفي رواية‏:‏ بنكاحها الأول‏.‏

توفيت زينب في أول هذه السنة فغسلتها أم أيمن وسودة وأم سلمة‏.‏

سراقة بن عمرو بن عطية‏:‏ شهد بدرًا وأحدًا والخندق والحديبية وخيبر وعمرة القضية وقتل يوم مؤتة‏.‏

شهر براز‏:‏ قتل أردشير بن شيرويه وملك مكانه أربعين يومًا ثم قتل‏.‏

عبد الله بن رواحة بن ثعلبة أبو محمد‏:‏ شهد العقبة مع السبعين وهو أحد النقباء الإثني عشر وشهد بدرًا وأحدًا والخندق والحديبية وخيبر وعمرة القضية‏.‏

واستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة حين خرج إلى غزاة بدر الموعد‏.‏

ولما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة في عمرة القضية كان آخذًا بزمام ناقته عند خلو بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تأويله وسبقت الأبيات‏:‏ أخبرنا ابن ناصر أخبرنا ثابت بن بندار أخبرنا أبو الحسين محمد بن عبد الواحد أخبرنا أبو سعيد السيرافي قال‏:‏ حدثني محمد بن منصور بن مزيد النحوي حدثني الزبير بن بكار قال‏:‏ حدثني خالد بن وضاح عن أبي الحصيب عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يقول كثيرًا‏:‏ ما سمعت بأحد أجرأ ولا أسرع شعرًا من عبد الله بن رواحة يوم يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم له‏:‏ قل شعرًا أسمعنيه الساعة ثم أنده بصره فانبعث ابن رواحة مكانه يقول‏:‏ إني تفرست فيك الخير أعرفه والله يعلم أن ما خانني البصر أنت النبي ومن يحرم شفاعته يوم الحساب فقد أزرى به القدر يثبت الله ما أتاك من حسن تثبيت موسى ونصرًا كالذي نصروا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ وأنت فثبتك الله يا ابن رواحة ‏"‏‏.‏

قال هشام‏:‏ فثبته الله أحسن الثبات‏.‏

قتل شهيدًا وفتحت له الجنة ودخلها‏.‏

استشهد ابن رواحة بمؤتة وكان ذلك في سنة ثمان‏.‏

عبادة بن قيس بن عبسة عم أبي الدرداء‏:‏ شهد بدرًا وأحدًا والخندق والحديبيبة وخيبر وقتل يوم مؤتة وله أربعون سنة‏.‏

عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب‏:‏ كان قديم الإسلام بمكة وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية وقتل يوم الطائف شهيدًا‏.‏

 

ثم دخلت سنة تسع من الهجرة

فمن الحوادث فيها‏:‏

 

سرية عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم

في المحرم وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عيينة في خمسين فارسًا ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري‏.‏

فكان يسير الليل ويكمن النهار فهجم عليهم في صحراء فدخلوا وسرحوا مواشيهم فهربوا وأخذ منهم أحد عشر رجلًا وإحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيًا فحبسوا بالمدينة فقدم فيهم عدة من رؤسائهم منهم‏:‏ عطاود بن حاجب والزبرقان بن بدر والأقرع بن فلما رأوهم بكى إليهم النساء والذراري فعجلوا فجاءوا إلى باب النبي صلى الله عليه وسلم فنادوا‏:‏ يا محمد أخرج إلينا فنزل فيهم‏:‏ ‏"‏ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ‏"‏ فرد عليهم الأسراء والسبي‏.‏

أخبرنا أبو بكر بن أبي طاهر قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن علي الجوهري قال‏:‏ أخبرنا أبو عمرو بن حيويه قال‏:‏ حدثنا أبو الحسن بن معروف قال‏:‏ أخبرنا الحسين بن الفهم قال‏:‏ أخبرنا محمد بن سعد قال‏:‏ أخبرنا محمد بن عمر قال‏:‏ أخبرنا محمد بن عبد الله عن الزهري قال‏:‏ أخبرنا محمد بن يزيد عن سعيد بن عمرو قال‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر بن سفيان ويقال‏:‏ النحام على صدقات بني كعب فاستكبر ذلك بنو تميم وشهروا السيوف فقدم الصدق على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال‏:‏ من هؤلاء القوم فانتدب لهم عيينة فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في خمسين فارسًا من الحرب لير فيهم مهاجري ولا أنصاري فأغار عليهم فأخذ منهم أحد عشر رجلًا وإحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيًا فجلبهم إلى المدينة فقدم فيهم عدة من رؤساء بني تميم‏:‏ عطارد بن حاجب والزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم وقيس بن عاصم بن الحارث ونعيم بن سعد والأقرع بن حابس ويقال‏:‏ كانوا تسعين أو ثمانين فدخلوا المسجد وقد أذن بلال الظهر والناس ينتظرون خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فعجلوا واستبطأوا فنادوه‏:‏ يا محمد أخرج إلينا فخرج فأقام بلال الصلاة فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاه الظهر ثم أتوه فقال الأقرع‏:‏ ائذن لي فوالله إن حمدي لزين وإن ذمي لشين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ كذبت ذاك الله تعالى ‏"‏‏.‏

ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس فخطب خطيبهم وهو عطارد بن حاجب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس‏:‏ أجبه فأجابه ثم قالوا‏:‏ يا محمد ائذن لشاعرنا فأذن له فقام الزبرقان بن بدر فأنشد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت‏:‏ أجبه فأجابه بمثل شعره فقالوا والله لخطيبه أبلغ من خطيبنا ولشاعره أبلغ من شاعرنا ولهم أحلم منا فنزل فيهم‏:‏ ‏"‏ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ‏"‏‏.‏

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيس بن عاصم‏:‏ ‏"‏ هذا سيد أهل الوبر ‏"‏ ورد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسرى والسبي وأمر لهم بالجوائز كما كان يجيز الوفود‏.‏

 

وفي هذه السنة تتابعت الوفود

قدوم وفد فزارة

أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال‏:‏ أخبرنا أبو محمد الجوهري قال‏:‏ أخبرنا أبو عمرو بن حيويه قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن معروف قال‏:‏ أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال‏:‏ حدثنا محمد بن سعد قال‏:‏ حدثنا محمد بن عمر قال‏:‏ أخبرنا عبد الله بن محمد بن عمر الجمحي عن أبي وجزة السعدي قال‏:‏ لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك - وكانت سنة تسع - قدم عليه وفد بني فزارة بضعة عشر رجلًا - فيهم خارجة بن حصن والحر بن قيس - أو قيل الجد بن قيس - بن حصن - على ركاب عجاف فجاءوا مقرين بالإسلام وسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بلادهم فقال أحده‏:‏ يا رسول الله أسنتت بلادنا وهلكت مواشينا وأجدب جنابنا وغرث عيالنا فادع لنا ربك فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر ودعا فقال‏:‏ ‏"‏ اللهم اسق بلادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مريئًا مريعًا مطبقًا واسعًا عاجلًا غير آجل نافعًا غير ضار اللهم اسقنا سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء ‏"‏‏.‏

فمطرت فما رأوا السماء ستًا فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فدعا فقال‏:‏ ‏"‏ اللهم حوالينا ولا علينا على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ فانجابت السماء عن المدينة انجياب الثوب‏.‏

وبالإسناد قال‏:‏ حدثنا محمد بن عمر قال‏:‏ أخبرنا عبد الله بن عمرو بن زهير عن أبي الحويرث قال‏:‏ قدم وفد تجيب على رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تسع وهم ثلاثة عشر رجلًا وساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ ‏"‏ مرحبًا بكم ‏"‏ وأكرم منزلتهم وحياهم وأمر بلالًا أن يحسن ضيافتهم وجوائزهم وأعطاهم أكثر مما كان يجيز به الوفد وقال‏:‏ ‏"‏ هل بقي منكم أحد ‏"‏ قالوا‏:‏ غلام خلفناه على رحالنا وهو أحدثنا سنًا قال‏:‏ ‏"‏ أرسلوه إلينا ‏"‏ فأقبل الغلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إني امرؤ من بني أبناء الرهط الذين أتوك آنفًا فقضيت حوائجهم فاقض حاجتي قال‏:‏ ‏"‏ ما حاجتك ‏"‏ قال‏:‏ أن تسأل الله أن يغفر لي ويرحمني ويجعل غناي في قلبي فقال‏:‏ ‏"‏ اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه في قلبه ‏"‏ ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه فانطلقوا راجعين إلى أهليهم ثم وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم بمنى سنة عشر فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغلام فقالوا‏:‏ ما رأينا مثله أقنع منه بما رزقه الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إني لأرجو أن نموت جميعًا ‏"‏‏.‏

وفيها قدم وفد بني أسد

وقالوا‏:‏ أتيناك نتدرع الليل البهيم في سنة شهباء ولم تبعث لنا بعثًا فنزلت فيهم‏:‏ ‏"‏ يمنون عليك وفيها قدم وفد كلاب فيهم لبيد بن ربيعة وجبار بن سلمى قالوا‏:‏ إن الضحاك بن سفيان سار فينا بكتاب الله وبسنتك التي أمرته ودعانا إلى الله عز وجل فاستجبنا لله ولرسوله وإنه أخذ الصدقة من أغنيائنا فردها على فقرائنا‏.‏

وفيها قدم وفد بلي في ربيع الأول فنزلوا على رويفع بن ثابت البلوي‏.‏

وفيها قدم وفد عروة بن مسعود الثقفي فأسلم وقد سبق خبره فيما ذكرنا‏.‏

وفيها قدم وفد الداريين من لخم وهم عشر‏:‏ هانئ بن حبيب والفاكه بن النعمان وجبلة بن مالك وأبو هند بن ذر وأخوه الطيب سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتميم بن أوس ونعيم بن أوس ويزيد بن قيس وعزيز بن مالك سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن وأخوه مرة‏.‏

وفيها قدم وفد الطائف مع عبد يا ليل بن عمرو فأسلموا وذلك في رمضان‏.‏

ثلاثة عشر رجلًا ونزلوا على المقداد بن عمرو‏.‏

وفيها قدم وفد البكاء وفيها قدم وفد طيء ووفد سعد هزيم وهم من أهل اليمن‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا أحمد بن علي الحافظ أخبرنا ابن رزق حدثنا أحمد بن كامل القاضي حدثنا إبراهيم الحربي حدثنا محمد بن عباد بن موسى عن هشام بن الكلبي عن فروة بن سعيد بن عفيف بن معدي كرب عن أبيه عن جده قال‏:‏ كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه وفد أهل اليمن فقالوا‏:‏ يا رسول الله لقد أحيانا الله ببيتين من شعر امرئ القيس فقال‏:‏ ‏"‏ وما هما ‏"‏ قالوا‏:‏ أقبلنا نريدك إذا كنا بموضع كذا وكذا أخطأنا الماء فكنا لا نقدر عليه فانتهينا إلى موضع طلح وسمر فانطلق كل رجل منا إلى أصل شجرة ليموت في ظلها فبينا نحن في آخر رمق إذا راكب قد أقبل فلما رآه بعضنا تمثل بهذه الأبيات‏:‏ ولما رأت أن الشريعة همهما وأن البياض في فرائضها دامي تيممت العين التي عند ضارج يفيء عليهما الظل عرمضها طامي فقال الراكب‏:‏ من يقول هذا الشعر فقال بعضنا‏:‏ امرؤ القيس فقال‏:‏ هذه والله ضارج أمامكم وقد رأى ما بنا من الجهد فرجعنا إليها فإذا بيننا وبينها نحو من خمسين ذراعًا وإذا هي كما وصف امرؤ القيس‏:‏ عليها العرمض يفيء عليها الظل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ذاك رجل مشهور في الدنيا خامل في الآخرة مذكور في الدنيا منسي في الآخرة يجيء يوم القيامة معه لواء الشعراء يقودهم إلى النار ‏"‏‏.‏

وفيها بعث رسول الله الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق من خزاعة يصدقهم وكانوا قد أسلموا وبنوا المساجد فلما سمعوا بدنوه خرج منهم عشرون يتلقونه بالجزر والغنم فرحًا به فلما رآهم ولى راجعًا إلى المدينة فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لقوه بالسلاح فهم أن يبعث من يغزوهم فقدموا لما بلغ الخبر ونزلت‏:‏ ‏"‏ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا‏.‏

وبعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحارث بن عباد بن بشر يأخذ صدقاتهم‏.‏وروي عن ضرار الخزاعي قال‏:‏ قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه وأقررت به ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها وقلت‏:‏ يا رسول الله ارجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته فيرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولًا لا تأت كذا وكذا ليأتيك بما جمعت من الزكاة‏.‏

فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له وبلغ الأبان الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه احتبس عليه الرسول فلم يأته فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخط من الله ورسوله فدعى بسروات قومه فقال لهم‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وقت لي وقتًا يرسل رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة وليس من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلف ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة كانت فانطلقوا فنأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق فرجع فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم البعث إلى الحارث وأقبل الحارث بأصحابه إذ استقبل البعث وقد فصل من المدينة فلقيهم الحارث فقالوا‏:‏ هذا الحارث فلما غشيهم قال‏:‏ إلى من بعثتم قالوا إليك قال‏:‏ ولم قالوا‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعث الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله قال‏:‏ لا والذي بعث محمدًا بالحق ما رأيته بتة ولا أتاني‏.‏فلما دخل الحارث على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ منعت الزكاة وأردت قتل قال‏:‏ والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني ولا أقبلت إلا حين احتبس علي رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم خشيت أن تكون قد كانت سخطة من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ فنزلت‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏ الآية‏.‏

وفيها

 سرية قطبة بن عامر

بن حديدة إلى خثعم في صفر روى كعب بن مالك قال‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث قطبة بن عامر بن حديدة في عشرين رجلًا إلى حي من خثعم بناحية تبالة وأمره أن يشن الغارة عليهم فانتهوا إلى الحاضر وقد ناموا وهدأوا فكبروا وشنوا الغارة فوثب القوم فاقتتلوا قتالًا شديدًا حتى كثر الجراح في الفريقين جميعًا وكسرهم أصحاب قطبة فقتلوا من قتلوا وساقوا النعم والشاء إلى المدينة فأخرج منه الخمس ثم كانت سهامهم بعد ذلك أربعه أبعرة لكل رجل والبعير يعدل بعشر من الغنم‏.‏

وكانت هذه السرية في صفر سنة تسع‏.‏

قال ابن سعد‏:‏ قال أبو معشر‏:‏ رمى قطبة بن عامر يوم بدر بحجر بين الضفين ثم قال‏:‏ لا أفر حتى يفر هذا الحجر وبقي قطبة حتى توفي في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه وليس

 وفيها سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب

في ربيع الأول وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشًا إلى القرطاء عليهم الضحاك بن سفيان يدعوهم إلى الإسلام فأبوا فقاتلوهم فهزموهم‏.‏

 وفيها سرية علقمة بن مجزز المدلجي إلى الحبشة

في ربيع الآخر وذلك أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناسًا من الحبشة قد أتاهم أمل جدة فبعث إليهم علقمة في ثلاثمائة فهربوا منه فتعجل بعض القوم‏:‏ إلى أهلهم وكان فيمن تعجل عبد الله بن حذافة فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على من تعجل وكانت فيه دعابة فنزلوا ببعض الطريق وأوقدوا نارًا فقال‏:‏ عزمت عليكم إلا تواثبتم في هذه النار فهم بعضهم بذلك فقال‏:‏ أنا كنت أضحك معكم فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏ من أمركم بمعصية فلا تطيعوه ‏"‏‏.‏

أخربنا ابن الحصين أخبرنا ابن المذهب أخبرنا أحمد بن جعفر حدثنا عبد الله بن أحمد قال‏:‏ حدثني أبي حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية واستعمل عليهم رجلًا من الأنصار قال‏:‏ فلما خرجوا وجد عليهم في شيء فقال لهم‏:‏ أليس قد أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني قالوا‏:‏ بلى قال‏:‏ اجمعوا حطبًا ثم دعا بنار فأضرمها فيه ثم قال‏:‏ عزمت عليكم لتدخلنها‏.‏

قال‏:‏ فهم القوم بدخولها‏.‏

قال‏:‏ فقال لهم شاب منهم‏:‏ إنما فررتم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار فلا تعجلوا حتى تلقوا النبي صلى الله عليه وسلم فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها‏.‏

قال‏:‏ فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال لهم‏:‏ ‏"‏ لو دخلتموها ما خرجج منها أبدًا إنما الطاعة بالمعروف ‏"‏‏.‏

قال مؤلف الكتاب‏:‏ أخرجاه في الصحيحين وهذا الأمير الذي قال لهم عبد الله بن حذافة وقول الراوي رجل من الأنصار غلط إنما هو من بني سهم‏.‏

 وفيها سرية علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الفلس

وهو صنم طيء ليهدمه وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عليًا في خمسين ومائة من الأنصار في مائة بعير وخمسين فرسًا إلى صنم طيء ليهدمه في ربيع الآخر وبعث معه راية سوداء ولواء أبيض فشنوا الغارة وخربوا الفلس وأخذوا سيفين كانوا في بيت الصنم وملأوا أيديهم من السبي والنعم وكان في السبي أخت عدي بن حاتم وهرب عدي إلى الشام وروى محمد بن إسحاق عن شيبان بن سعد الطائي قال‏:‏ كان عدي بن حاتم يقول‏:‏ ما رجل من العرب كان أشد كراهية لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به مني أما أنا فكنت نصرانيًا وكنت شريفًا في قومي فلما سمعت بجيوش محمد احتملت أهلي وولدي لألحق بأهل ديني من النصارى وخلفت ابنة حاتم في الحاضر فأصيبت فيمن أصيب فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبي طيء فجعلت في حظيرة بباب المسجد كانت تحبس بها السبايا فلما مر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قامت إليه فقالت‏:‏ هلك الوالد وغاب الوافد فأمنن علي من الله عليك قال‏:‏ ‏"‏ فمن وافدك ‏"‏ قالت‏:‏ عدي بن حاتم قال‏:‏ ‏"‏ الفار من الله ورسوله ‏"‏ ثم مضى ثم عاد من الغد فقالت مثل ذلك فقال‏:‏ ‏"‏ قد فعلت فلا تعجلي بخروج حتى يكون لك ثقة يبلغك إلى بلادك ‏"‏ فلما رأت ثقة أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكساها وحملها وأعطاها نفقة فقدمت على عدي فجعلت تقول‏:‏ القاطع الظالم احتملت بأهلك وولدك وتركت بقية والدك قال‏:‏ والله مالي عذر ما ترين في هذا الرجل قالت‏:‏ أرى والله أن تلحق به فأتيته فقال‏:‏ ‏"‏ من الرجل ‏"‏ فقلت‏:‏ عدي بن حاتم فانطلق بي إلى بيته فلقيته امرأة ضعيفة فوقف لها طويلًا فقلت‏:‏ ما هذا بملك‏.‏

ثم مضى حتى دخل بيته فتناول وسادة من أدم محشوة ليفًا فقدمها إلي وجلس على الأرض فقلت‏:‏ ما هذا بأمر ملك فأسلمت‏.‏

ومن الحوادث سرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى الجناب

أرض عذرة وبلي وذلك في ربيع الآخر‏.‏

وفيها هجر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه وقال‏:‏ ما أنا بداخل عليكن شهرًا‏.‏

قال مؤلف الكتاب‏:‏ وفي سبب ذلك قولان‏:‏ أحدهما‏:‏ أنه حين حرم أم إبراهيم أخبر بذلك حفصة واستكتمها فأخبرت بذلك‏.‏

والثاني‏:‏ أنه ذبح ذبحًا فقسمته عائشة بين أزواجه فأرسلت إلى زينب بنت جحش بنصيبها فردته فقال‏:‏ زيدوها فزادوها ثلاثًا كل ذلك ترده فقال‏:‏ ‏"‏ لا أرضى عليكن شهرًا ‏"‏‏.‏

فاعتزل في مشربة له ثم نزل لتسع وعشرين فبدأ بعائشة رضي الله عنها فقالت‏:‏ يا رسول الله كنت أقسمت ألا تدخل علينا شهرًا وإنما أصبحت من تسع وعشرين أعدها عدًا فقال‏:‏ ‏"‏ لم الشهر تسع وعشرون وكان ذلك الشهر تسعا وعشرين ‏"‏‏.‏

 وفي هذه السنة كانت غزوة تبوك

وذلك في رجب وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن الروم قد جمعت جموعًا كبيرة وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة وأجلبت معه لخم وجذام وعاملة وغسان وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وأعلمهم المكان الذي يريد ليتأهبوا لذلك وبعث إلى مكة وإلى قبائل العرب ليستنفرهم وذلك في حر شديد وخلف علي بن أبي طالب على أهله واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة وجاء البكاؤون يستحملونه‏.‏

واختلف في عددهم وأسماءهم فروى أبو صالح عن ابن عباس قال‏:‏ هم ستة‏:‏ عبد الله بن معقل وصخر بن سلمان‏.‏

وعبيد الله بن كعب وعلية بن زيد وسالم بن عمير وثعلبة بن غنمة‏.‏

وذكر محمد بن مسلمة مكان صخر بن سلمان سلمة بن صخر ومكان ثعلبة بن غنمة عمرو بن غنمة قال‏:‏ وقيل منهم معقل بن يسار‏.‏

وروى ابن إسحاق عن أشياخ له‏:‏ أن البكائين سبعة من الأنصار‏:‏ سالم بن عمير وعلية بن زيد وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب وعمرو بن الحمام وعبد الله بن معقل وبعض الناس تقول عبد الله بن عمرو المؤني وعرباض بن سارية وهرمي بن عبد الله‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ نزلت في بني مقرن وهم سبعة وقد ذكرهم محمد بن سعد فقال‏:‏ النعمان بن عمرو بن مقرن وسنان بن مقرن وعقيل بن مقرن وعبد الرحمن بن مقرن وعبد الرحمن بن عقيل بن مقرن وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏لا أجد ما أحملكم عليه‏}‏ فولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا‏.‏

وجاء ناس من المنافقين يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم في التخلف من غير علة فأذن لهم وهم بضعة وثمانون رجلًا وجاء المعذرون من الأعراب فاعتذروا فلم يعذرهم وهم اثنان وثمانون رجلًا وكان عبد الله بن أبي قد عسكر في حلفائه من اليهود والمنافقين على ثنية الوداع واستخلف النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة محمد بن مسلمة وجاء واثلة بن الأسقع فبايعه ثم لحق به فلما سار تخلف عبد الله بن أبي ومن معه وبقي نفر من المسلمين منهم‏:‏ كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع وأبو خيثمة السالمي وأبو ذر الغفاري فقدم تبوكًا في ثلاثين ألفًا من الناس وكانت الخيل عشرة آلاف فرس وكان على حرسه عباد بن بشير ولقوا في الطريق شدة‏.‏

قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ حدثنا عن ساعة العسرة قال‏:‏ خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد فنزلن منزلًا أصابنا فيه عطش شديد ظننا أن رقابنا ستقطع حتى أن الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته تتقطع وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده فقال أبو بكر رضي الله عنه‏:‏ يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرًا فادع الله لنا قال‏:‏ ‏"‏ تحب ذلك ‏"‏ قال‏:‏ نعم فرفع يديه فلم يرجعها حتى قالت السماء فملأوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر‏.‏

وفي هذه السفرة‏:‏ اشتد بهم العطش ومعهم أداوة فيها ماء فصبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في إناء ففاضت حتى روي العسكر وهم ثلاثون ألفًا والإبل اثنا عشر ألفًا والخيل عشرة آلاف‏.‏

وفيها‏:‏ مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر من أرض ثمود واستقى الناس من أبيارهم فنهاهم‏.‏

قال ابن عمر‏:‏ إن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض ثمود الحجر فاستسقوا من أبيارها وعجنوا به فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا من أبيارها وأن يعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من النهر التي كانت ترده الناقة‏.‏

 

فصل

قال علماء السير‏:‏ أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين ليلة ولحقه أبو خيثمة وأبو ذر وكان أبو خيثمة قد رجع من بعض الطريق فوجد امرأتين له قد هيأت كل واحدة منهما عريشًا وبردت فيه ماء وهيأت طعامًا فوقف فقال‏:‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح وأبو خيثمة في ظلال وماء بارد والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

فلحقه ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلق كيدًا وكان هرقل يومئذ بحمص‏.‏

 

فصل

فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في أربع مائة وعشرين فارسًا إلى أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة وكان أكيدر قد ملكهم وكان نصرانيًا فانتهى إليه خالد بن الوليد وقد خرج من حصنه في ليلة مقمرة إلى بقر يطاردها هو وأخوه حسان فشدت عليه خيل خالد فاستأسر أكيدر وامتنع أخوه حسان فقاتل حتى قتل وهرب من كان معه فدخل الحصن وأجار خالد أكيدر من القتل حتى يأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يفتح له دومة الجندل ففعل وصالحه على ألفي بعير وثمانمائة رأس وأربعمائة درع وأربعمائة رمح فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم صفيًا خالصًا ثم قسم الغنائم فأخرج الخمس ثم قسم ما بقي فقدم به وبأخيه على النبي صلى الله عليه وسلم فقدم أكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهدى له هدية وصالحه على الجزية وحقن دمه ودم أخيه وخلى سبيلهما وكتب لهما كتابًا فيه أمانهم‏.‏

وفي طريق رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من تبوك قال من قال من المنافقين‏:‏ إنما كنا نخوض ونلعب‏.‏

وروى صالح عن ابن عباس‏:‏ أن جد بن قيس ووديعة بن خدام والجهير بن جمير كانوا يسيرون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من تبوك فجعل رجلان منهم يستهزئان برسول الله صلى الله عليه وسلم والثالث يضحك مما يقولان ولا يتكلم بشيء فنزل جبريل فأخبره بما يستهزئون به ويضحكون منه فقال لعمار بن ياسر‏:‏ ‏"‏ إذهب فسلهم عما كانوا يضحكون منه وقل لهم أحرقكهم الله ‏"‏ ولما سألهم وقال لهم‏:‏ أحرقكم الله وعلموا أنه قد نزل فيهم قرآن فأقبلوا يعتذرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الجهير‏:‏ والله ما تكلمت بشيء وإنما ضحكت تعجبًا من قولهم فنزل قوله‏:‏ ‏{‏لا تعتذروا‏}‏ - يعني جد بن قيس ووديعة - أن نعف عن طائفة منكم - يعني الجهير - نعذب طائفة ‏"‏ - يعني الجد ووديعة‏.‏

أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن علي الجوهري قال‏:‏ أخبرنا أبو عمرو بن حيوية قال‏:‏ حدثنا الحسن بن معروف قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن الفهم قال‏:‏ أخبرنا محمد بن سعد قال‏:‏ أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال‏:‏ حدثنا حميد الطويل عن أنس قال‏:‏ رجعنا من غزاة تبوك فلما دنونا من المدينة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم ‏"‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله وهم بالمدينة قال‏:‏ ‏"‏ نعم حبسهم العذر ‏"‏‏.‏

فصل

فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في رمضان وجاءه من تخلف فعذرهم واستغفر لهم وأرجأ أمر كعب بن مالك وصاحبيه حتى نزلت توبتهم وجعل الناس يبيعون أسلحتهم ويقولون‏:‏ قد انقطع الجهاد فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم وقال‏:‏ ‏"‏ لا تزال طائفة من أمتي يجاهدون على الحق حتى يخرج الرجال ‏"‏‏.‏

 

فأما قصة كعب وصاحبيه

أخبرنا هبة الله بن محمد بن الحصين قال‏:‏ أخبرنا ابن المذهب قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي قال‏:‏ حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال‏:‏ أخبرنا ابن أخي الزهري محمد بن عبد الله عن عمه محمد بن مسلم الزهري قال‏:‏ أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال‏:‏ سمعت كعب بن مالك يحدث بحديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فقال كعب بن مالك‏:‏ لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحد تخلف عنها لأنه إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين توافقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أشهر في الناس منها وأذكر وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك لأني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزاة يغزوها إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزاة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا واستقبل عدوًا كثيرًا فجلى للمسلمين أمره ليتأهبوا أهبة عدوهم فأخبرهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير لا يجمعهم كتاب حافظ يريد الديوان فقال كعب‏:‏ فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزاة حين طابت الثمار والظل وأما النهار أصغر فتجهز إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه وطفقت أغدو لكي أتجهز معه فأرجع ولم أقض شيئًا فأقول في نفسي‏:‏ أنا قادر على ذلك إذا أردت فلم يزل كذلك يتمادى بي حتى شمر بالناس الجد فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديًا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئًا فقلت‏:‏ الجهاز بعد يوم أو يومين ثم ألحقهم فغدوت بعد ما فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئًا من جهازي ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئًا من جهازي فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارض الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم وليت أني فعلت ثم لم يقدر ذلك لي فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم يحزنني أن لا أرى إلا رجلًا مغموصًا عليه في النفاق أو رجلًا ممن عذره الله ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك‏:‏ ‏"‏ ما فعل كعب بن مالك ‏"‏ قال رجل من بني سلمة‏:‏ حبسه يا رسول الله برداه والنظر في عطفيه فقال له معاذ بن جبل‏:‏ بئسما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

حضرني بثي فطفقت أتفكر الكذب وأقول بماذا أخرج من سخطه غدًا أستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادمًا زاح عني الباطل وعرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدًا فأجمعت صدقه وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلًا فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى حتى جئت فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال لي‏:‏ ‏"‏ تعال ‏"‏ فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي‏:‏ ‏"‏ ما خلفك ألم تكن قد استمر ظهرك قال‏:‏ فقلت‏:‏ يا رسول الله إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني أخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلًا ولكنه والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بكذب ترضى به عني ليوشكن الله تبارك وتعالى يسخطك علي ولئن حدثتك اليوم بصدق تجد علي فيه إني لأرجو قرة عيني عفوًا من الله تعالى والله ما كان لي عذر والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله تبارك وتعالى فيك ‏"‏‏.‏

فقمت وبادرت رجالًا من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي‏:‏ والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون لقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك ثم قال‏:‏ والله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي‏.‏

قال‏:‏ ثم قلت لهم‏:‏ هل لقي هذا معي أحد قالوا‏:‏ نعم لقيه معك رجلان قالا ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك‏.‏

قال‏:‏ فقلت لهما‏:‏ من هما قالوا‏:‏ مرارة بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي قال‏:‏ فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا فقلت‏:‏ لي فيهما أسوة قال‏:‏ فمضيت حين ذكروهما لي قال‏:‏ ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس قال‏:‏ وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي كنت أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكنا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق ولا يكلمني أحد وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلسه بعد الصلاة فأسلم فأقول في نفسي‏:‏ هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ثم أصلي قريبًا منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي فإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا أطال على ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام فقلت له‏:‏ يا أبا قتادة أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله قال‏:‏ فسكت قال‏:‏ فعدت فناشدته فسكت فعدت فناشدته فقال‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏

ففاضت عيناي ونزلت حتى تسورت الحائط‏.‏

فبينما أنا أمشي بسوق المدينة إذا بنبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول‏:‏ من يدلني على كعب بن مالك‏.‏

قال‏:‏ فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاء فدفع إلي كتابًا من ملك غسان وكنت كاتبًا فإذا فيه‏:‏ أما بعد‏.‏

فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك‏.‏

قال فقلت حين قرأتها‏:‏ وهذا أيضًا من البلاء‏.‏

قال‏:‏ فتيممت بها التنور فسجرته بها حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا برسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك‏.‏

قال‏:‏ فقلت‏:‏ أطلقها أم ماذا أفعل قال‏:‏ بل اعتزلها فلا تقربها‏.‏

قال‏:‏ وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك‏.‏

قال‏:‏ فقلت لامرأتي‏:‏ الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر‏.‏

قال‏:‏ فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له‏:‏ يا رسول الله إن هلالًا شيخ ضائر ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه قال‏:‏ ‏"‏ لا ولكن لا يقربنك ‏"‏ قالت‏:‏ فإنه والله ما به حركة إلى شيء والله ما يزال يبكي من لدن أن كان من أمرك ما كان إلى يومه قال‏:‏ فقال لي بعض أهلي‏:‏ لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه قال‏:‏ فقلت‏:‏ والله لا استأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أدري ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته وأنا رجل شاب‏.‏

قال فلبثنا بعد ذلك عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا‏.‏

قال‏:‏ ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله تبارك وتعالى منا قد ضاقت علي نفسي وضاقت الأرض بما رحبت سمعت صارخًا أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته‏:‏ يا كعب بن مالك أبشر قال‏:‏ فخررت ساجدًا وعرفت أن قد جاء فرج وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله عز وجل علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبي يبشرون وركض إلي رجل راكب فرسًا وسعى ساع من أسلم وأوفى الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشارته ووالله ما أملك غيرهما يومئذ فأستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت أؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنؤني بالتوبة يقولون يهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد حوله الناس فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره‏.‏

قال فكان كعب لا ينساها لطلحة‏.‏

قال كعب‏:‏ فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور‏:‏‏!‏ ‏"‏ أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ‏"‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله قال‏:‏ ‏"‏ لا بل من عند الله ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر حتى يعرف ذلك منه‏.‏

قال‏:‏ فلما جلست بين يديه قلت‏:‏ يا رسول الله إن من توبتي أن أتخلع من مالي صدقة إلى الله تعالى وإلى رسوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أمسك بعض مالك فهو خير لك ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ فقلت‏:‏ إني أمسك سهمي الذي بخيبر فقلت‏:‏ يا رسول الله إنما نجاني الله تعالى بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت‏.‏

قال‏:‏ فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني الله تبارك وتعالى والله ما تعمدت كذبًا منذ قلت ذلك لرسول الله‏:‏ إلى يومي هذا وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي‏.‏

قال‏:‏ وأنزل الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليثوبوا إن الله هو التواب الرحيم يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين‏}‏‏.‏

قال كعب‏:‏ فوالله ما أنعم الله تبارك وتعالى علي من نعمة قط بعد إذ هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه حين كذبوه فإن الله تبارك وتعالى قال للذين كذبوه حين أنزل الوحي شر ما يقال لأحد فقال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فاعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى على القوم الفاسقين} ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وكنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ‏"‏ وليس تخليفه إيانا وإرجاءه أمرنا الذي ذكر مما خلفنا بتخلفنا عن الغزو وإنما هو عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه‏.‏

قال مؤلف الكتاب‏:‏ أخرجاه في الصحيحين‏.‏

وقوله‏:‏ ‏"‏ تفارض الغزو ‏"‏ أي‏:‏ تقدم وتباعد وربما قرأه من لا يعرف فقال‏:‏ ‏"‏ العدو ‏"‏ وأطل بالطاء ومعناه دنا وقوله‏:‏ ‏"‏ رجلين شهدا بدرًا ‏"‏ وهم من الزهري فإنهما لم يشهدا بدرًا‏.‏

 

ومن الحوادث إسلام خريم بن أوس

ومن الحوادث بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك إسلام خريم بن أوس وامتداح العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبياته المعروفة‏.‏

أخبرنا ابن الحصين أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد بن غيلان أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي قال‏:‏ حدثني أبو الشيخ الأصبهاني حدثنا زكريا بن يحيى بن عمر بن حصين قال‏:‏ حدثني عم أبي زحر بن حصين عن جده حميد بن شهاب قال‏:‏ قال خريم بن أوس‏:‏ هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدمت عليه منصرفه من تبوك فأسلمت وسمعت العباس يقول‏:‏ يا رسول الله‏.‏

إني أريد أن أمتدحك ‏"‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ قل من قبلها طبت في الظلال وفي مستودع حيث يخصف الورق ثم هبطت البلاد لا بشر أنت ولا مضغة ولا علق بل نطفة تركب السفين وقد ألجم نسرًا وأهله الغرق تنقل من صالب إلى رحم إذا مضى عالم بدا طبق حتى انتهى بيتك المهيمن من خندف علياء تحتها النطق وأنت لما ولدت أشرقت الأر ض وضاءت بنورك الأفق فنحن في ذلك المضيا وفي النور لسبل الرشاد نخترق ومن الحوادث فيها بعد مقدمه من تبوك قدم عليه كتاب ملوك حمير بإسلامهم فروى بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر قال‏:‏ قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب ملوك حمير مقدمه من تبوك ورسولهم إليه بإسلامهم‏:‏ الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذي رعين وهمدان ومعافر وبعث إليه زرعه بن ذي يزن مالك بن مرة الرهاوي بإسلامهم ومفارقتهم الشرك فكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏

من محمد رسول الله إلى الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذي رعين وهمدان ومعافر أما بعد فإني أحمد الله إليكم الله الذي لا إله إلا هو فإنه وقع إلينا رسولكم مقفلنا من أرض الروم فلقينا بالمدينة فبلغ ما أرسلتم وخبر ما قلتم وأنبأنا بإسلامكم وإسلام من قبلكم من المشركين وأن الله قد هداكم بهدايته إن أصلحتم وأطعمتم الله ورسوله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأعطيتم من المغانم خمس الله وخمس نبيه وصفيه وما كتب الله على المؤمنين من الصدقة ومن كان على يهوديته ونصرانيته فإنه لا يغير عنها وعليه الجزية‏.‏

أما بعد فإن رسول الله محمدًا أرسل إلى زرعة بن ذي يزن أن إذا أتتكم رسلي فأوصيكم بهم خيرًا‏:‏ معاذ بن جبل وعبد الله بن زيد ومالك بن عبادة وعقبة بن مالك وأميرهم معاذ بن جبل فلا يتقلبن إلا راضيًا ثم إن مالك بن مرة حدثني أنك قد أسلمت من أول حمير وقتلت المشركين فابشر بخير وآمرك بحمير خيرًا‏.‏

 

وفي هذه السنة حج أبو بكر رضي الله عنه بالناس

في ذي الحجة قاله محمد وقال مجاهد‏:‏ وافقت حجة أبي بكر ذي القعدة ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام القابل في ذي الحجة وذلك حين قال‏:‏ ‏"‏ إن الزمان قد استدار كهئة يوم خلق الله السموات والأرض ‏"‏ وذلك أن العرب كانوا يستعملون النسيء فيؤخرون تحريم المحرم إلى صفر ثم كذلك حتى تتدافع الشهور فيستدير التحريم على السنة كلها فوافقت حجة أبي بكر ذي القعدة‏.‏

وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمله على الحج فحج في ثلاثمائة رجل وبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين بدنة فلما كان بالعرج لحقه علي بن أبي طالب رضي الله عنه على ناقته القصواء فقال أبو بكر‏:‏ استعملك رسول الله على الحج قال‏:‏ لا ولكن بعثني أقرأ براءة على الناس وأنبذ إلى كل ذي عهد عهده فمضى أبو بكر فحج بالناس‏.‏

وقرأ علي رضي الله عنه براءة وقال‏:‏ لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ثم رجعا قافلين إلى المدينة‏.‏

روى أبو سعيد الخدري قال‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر على الموسم وبعث بسورة براءة وأربع كلمات إلى الناس فلحقه علي بن أبي طالب رضي الله عنهما في الطريق فأخذ علي رضي الله عنه السورة والكلمات وكان يبلغ وأبو بكر على الموسم فإذا قرأ السورة نادى‏:‏ لا تدخل الجنة إلا نفس مسلمة ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامه هذا ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فأجله إلى مدته‏.‏

فلما رجعا قال أبو بكر رضي الله عنه‏:‏ ما لي هل نزل في شيء قال‏:‏ لا إلا خيرًا قال‏:‏ وما ذاك قال‏:‏ إن عليًا رضي الله عنه لحق بي فأخذ مني السورة والكلمات‏.‏

قال‏:‏ أجل لم يكن يبلغها إلا أنا أو رجل مني‏.‏وفيها أمر رسول الله بهدم

 

مسجد الضرار

وذاك أنه لما اتخذ بنو عمرو بن عوف مسجد قباء وبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى فيه حسدهم أخوتهم بنو غنم بن عوف وكانوا من منافقي الأنصار فقالوا نبني مسجدًا ونرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلي فيه وليصلي أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام فأخبر الله عز وجل رسوله فأمر بهدمه وإحراقه‏.‏

وفيها رجم الغامدية أخبرنا ابن الحصين أخبرنا ابن المذهب أخبرنا أحمد بن جعفر حدثنا عبد الله بن أحمد قال‏:‏ حدثني أبي حدثنا أبو نعيم حدثنا بشير بن المهاجر قال‏:‏ حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه قال‏:‏ إني كنت جالسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاءته امرأة من غامد فقالت‏:‏ يا نبي الله إني قد زنيت وأنا أريد أن تطهرني فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ارجعي ‏"‏‏.‏

فلما أن كان من الغد أتته أيضًا فاعترفت عنده بالزنا فقالت‏:‏ يا رسول الله إني زنيت وأنا أريد أن تطهرني فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ارجعي ‏"‏ فلما أن كان من الغد أتته أيضًا فاعترفت عنده بالزنا فقالت‏:‏ يا نبي الله طهرني فلعلك تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك فوالله إني لحبلى فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ارجعي حتى تلدي ‏"‏‏.‏

فلما ولدت جاءت بالصبي تحمله فقالت‏:‏ يا نبي الله ها قد ولدت قال‏:‏ ‏"‏ فاذهبي فارضعيه حتى تفطميه ‏"‏ فلما فطمته جاءت بالصبي في يده كسرة خبز فقالت‏:‏ يا نبي الله ها قد فطمته فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبي فدفعه إلى رجل من المسلمين وأمر بها فحفر لها حفيره فجعلت فيها إلى صدرها ثم أمر الناس أن يرجموها فأقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فنضح الدم على وجنة خالد فسبها فسمع النبي صلى الله عليه وسلم سبه إياها فقال‏:‏ ‏"‏ مهلًا يا خالد بن الوليد لا تسبها فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ‏"‏ فأمر بها فصلي عليها ودفنت بعد العصر في مسجد النبي وكان قد قذفها بشريك بن سحماء‏.‏

 

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

النجاشي واسمه أصحمة وهو الذي هاجر إليه المسلمون وأسلم وله الأفعال الحميدة والإعانة للمسلمين وهو الذي أمهر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجته أم حبيبة وتوفي في رجب هذه السنة‏.‏

أخبرنا ابن الحصين قال‏:‏ أخبرنا ابن المذهب قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن جعفر قال‏:‏ أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ أخبرنا يحيى عن مالك قال‏:‏ حدثني الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال‏:‏ نعى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي اليوم الذي مات فيه فخرج إلى المصلى فصف أصحابه خلفه وكبر عليه أربعًا‏.‏

وروى أبو داود من حديث عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ لما مات النجاشي كنا نتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور‏.‏

أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان تزوجها عتبة بن أبي لهب قبل النبوة فلما نزلت‏:‏ ‏{‏تبت يدا أبي لهب‏}‏ قال أبوه‏:‏ رأسي من رأسك حرام إن لم تطلق ابنته ففارقها ولم يكن دخل بها‏.‏

فلم تزل بمكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهاجرت فلما توفيت رقية خلف عليها عثمان بن عفان في ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة وأدخلت عليه في جمادى الآخرة فماتت عنده في شعبان هذه السنة فغلستها أسماء بنت عميس وصفية بنت عبد المطلب وأم عطية ونزل في حفرتها أبو طلحة‏.‏

أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن علي الجوهري قال‏:‏ أخبرنا أبو عمرو بن حيويه قال‏:‏ أخبرنا أبو الحسن بن معروف قال‏:‏ أخبرنا الحسين بن الفهم قال‏:‏ أخبرنا محمد بن سعد قال‏:‏ أخبرنا محمد بن عمر قال‏:‏ حدثني فليح عن هلال بن أسامة عن أنس بن مالك قال‏:‏ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم جالسًا على قبرها ورأيت عينيه تدمعان فقال‏:‏ ‏"‏ فيكم أحد لم يقارف الليلة ‏"‏ فقال أبو طلحة‏:‏ أنا يا رسول الله قال‏:‏ ‏"‏ إنزل ‏"‏‏.‏

سهيل بن بيضاء‏:‏ قال المصنف‏:‏ هي أمه واسمها دعد بنت جحدم وأبوه وهب بن ربيعة بن هلال ويكنى أبا موسى‏.‏

شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي بعد رجوع الله صلى الله عليه وسلم من تبوك وهو ابن أربعين سنة وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد‏.‏

وكان أسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وسهيل بن بيضاء‏.‏

عبد الله بن عبد نهم بن عفيف ذو النجادين أخبرنا أبو بكر بن أبي طاهر قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن معروف قال‏:‏ أخبرنا أبو الحسين بن الفهم قال‏:‏ أخبرنا محمد بن سعد قال‏:‏ حدثنا محمد بن عمر عن أشياخه قال‏:‏ كان ذو النجادين يتيمًا لا مال له مات أبوه ولم يورثه شيئًا فكفله عمه حتى أيسر وكان له إبل وغنم ورقيق فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جعلت نفسه تتوق إلى الإسلام ولا يقدر عليه لأجل عمه حتى مضت السنون والمشاهد فقال لعمه‏:‏ يا عم إني انتظرت إسلامك فلم أرك تريد محمدًا فأذن لي في الإسلام فقال‏:‏ والله لئن اتبعت محمدًا لا أترك بيدك شيئًا كنت أعطيتكه إلا نزعته منك حتى ثوبيك فقال‏:‏ فأنا والله متبع محمدًا وتارك عبادة الحجر والوثن وهذا ما بيدي فخذه‏.‏

فأخذ كل ما أعطاه حتى جرده من إزاره فأتى أمه فقطعت له نجادًا لها باثنين فأترز بواحدة وارتدى الآخر ثم أقبل إلى المدينة وكان بروقان - وهو جبل من جبال مزينة - فاضطجع في المسجد في السحر فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح وكان يتصفح وجوه الناس إذا انصرف من الصبح فنظر إليه فأنكره فقال‏:‏ ‏"‏ من أنت ‏"‏ فانتسب له وكان اسمه عبد العزى فقال‏:‏ ‏"‏ أنت عبد الله ذو النجادين ‏"‏ ثم قال‏:‏ ‏"‏ انزل مني قريبًا‏.‏

فكان في أضيافه ويعلمه القرآن حتى قرأ قرآنًا كثيرًا وكان رجلًا صيتًا فكان يقوم في المسجد فيرفع صوته بالقراءة فقال عمر‏:‏ يا رسول الله ألا تسمع هذا الأعرابي يرفع صوته بالقرآن قد منع الناس القراءة فقال‏:‏ ‏"‏ دعه يا عمر فإنه خرج مهاجرًا إلى الله وإلى رسوله ‏"‏‏.‏

ثم خرجوا إلى تبوك قال ذو النجادين‏:‏ يا رسول الله أدع الله لي بالشهادة أبغني لحا سمرة فربطها رسول الله صلى الله عليه وسلم على عضده وقال‏:‏ ‏"‏ اللهم إني أحرم دمه على الكفار ‏"‏ قال‏:‏ يا رسول الله ليس هذا أردت قال‏:‏ ‏"‏ إنك إذا خرجت غازيًا في سبيل الله فأخذتك الحمى فقتلتك فأنت شهيد أو وقصتك دابتك فأنت شهيد ولا تبالي بأية كان ‏"‏‏.‏

فلما نزلوا بتبوك أقاموا بها أيامًا فتوفي عبد الله وكان بلال بن الحارث يقول‏:‏ حضرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع بلال المؤذن شعلة من نار عند القبر واقفًا بها وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر وإذا أبو بكر وعمر يدليانه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول‏:‏ ‏"‏ أدنيا إلي أخاكما ‏"‏ فلما هيأه لشقه في اللحد قال‏:‏ ‏"‏ اللهم قد أمسيت عنه راضيًا فارض عنه ‏"‏ فقال ابن مسعود‏:‏ يا ليتني صاحب هذا القبر‏.‏

وسلول امرأة من خزاعة وهي أم أبي بن مالك‏.‏

كان عبد الله سيد الخزرج في جاهليتهم فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وقد جمعوا له خرزًا ليتوجوه فحسد ابن أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ونافق فاتضع شرفه وهو ابن خالة أبي عامر الراهب‏.‏

وكان لعبد الله من الولد عبد الله فأسلم وشهد بدرًا وكان معه خال أبيه وتثقل عليه صحبة المنافقين مرض عبد الله بن أبي عشرين يومًا بعد أن رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك ومات في ذي القعدة فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهده وصلى عليه ووقف على قبره وعزى ابنه عبد الله عليه‏.‏

معاوية بن معاوية الليثي ويقال‏:‏ المزني‏:‏ أخبرنا ابن أبي طاهر عن الجوهري قال‏:‏ أخبرنا أبو عمرو بن حيوية قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن معروف قال‏:‏ أخبرنا أبو الحسين بن الفهم قال‏:‏ حدثنا محمد بن سعد قال‏:‏ أخبرنا يزيد بن هارون قال‏:‏ أخبرنا العلاء أبو محمد الثقفي قال‏:‏ سمعت أنس بن مالك قال‏:‏ كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك فطلعت الشمس بضياء وشعاع ونور لم نرها طلعت به فيما مضى فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏ يا جبريل ما لي أرى الشمس اليوم طلعت بضياء ونور وشعاع لم أرها طلعت به فيما مضى ‏"‏ قال‏:‏ ذاك أن معاوية بن معاوية الليثي مات بالمدينة اليوم فبعث الله سبعين ألف ملك يصلون عليه قال‏:‏ ‏"‏ وفيما ذاك ‏"‏ قال‏:‏ كان يكثر قراءة‏:‏ ‏"‏ قل هو الله أحد ‏"‏ بالليل والنهار وفي ممشاه أو قائمًا أو قاعدًا فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض حتى تصلي عليه قال‏:‏ ‏"‏ نعم ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ فصلى عليه ثم رجع‏.‏

 ثم دخلت سنة عشر من الهجرة

فمن الحوادث فيها‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

 بعث خالد بن الوليد إلى بني الحارث بن كعب

فروى ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر قال‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في ربيع الآخر - أو في جمادى الأولى - في سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثًا فإن استجابوا لك فاقبل منهم وعلمهم كتاب الله وسنة رسوله ومعالم الإسلام فإن لم يقبلوا فقاتلهم‏.‏

فخرج خالد حتى قدم عليهم فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون الناس إلى الإسلام ويقولون‏:‏ يا أيها الناس أسلموا تسلموا‏.‏

فأسلم الناس ودخلوا فيما دعاهم إليه وأقام خالد فيهم وعلمهم الإسلام وكتاب الله وسنة رسوله ثم كتب خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم من خالد بن الوليد السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك بعثتني إلى بني الحارث بن كعب وأمرتني إذا أتيتهم أن لا أقاتلهم ثلاثة أيام وأن أدعوهم إلى الإسلام ثلاثة أيام فإن أسلموا قبلت منهم وإني قدمت عليهم ودعوتهم إلى الإسلام ثلاثة أيام وبثثت فيهم ركبانًا‏:‏ يا بني الحارث أسلموا فتسلموا فأسلموا وأنا مقيم أعلمهم معالم الإسلام‏.‏

فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد البسملة‏:‏ ‏"‏ إلى خالد بن الوليد السلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإن كتابك جاءني مع رسولك يخبر أن بني الحارث قد أسلموا قبل أن تقاتلهم فبشرهم وأنذرهم واقبل منهم وليقبل معك وفدهم والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ‏"‏‏.‏

فأقبل خالد بن الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل معه وفد بني الحارث بن كعب وفيهم‏:‏ قيس بن الحصين فسلموا عليه وقالوا‏:‏ نشهد أنك رسول الله وأن لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ‏"‏ وأمر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى بني الحارث بن كعب بعد أن ولى وفدهم عمرو بن حرام الأنصاري يفقههم ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام ويأخذ منهم صدقاتهم‏.‏

قال الواقدي‏:‏ فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمرو بن حرام عامله على نجران‏.‏

 وفيها قدم وفد سلامان

في شوال على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرنا محمد بن الباقي قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن علي الجوهري قال‏:‏ أخبرنا أبو عمرو بن حيوية قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن معروف قال‏:‏ أخبرنا الحسين بن الفهم قال‏:‏ أخبرنا محمد بن سعد قال‏:‏ أخبرنا محمد بن عمر قال‏:‏ حدثني محمد بن سهل بن أبي حثمة قال‏:‏ وجدت في كتب أبي أن حبيب بن عمرو السلاماني كان يحدث قال‏:‏ قدمنا وفد سلامان على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن سبعة فصادفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خارجًا من المسجد إلى جنازة دعي إليها فقلنا‏:‏ السلام عليك يا رسول الله فقال‏:‏ ‏"‏ وعليكم من أنتم ‏"‏ قلنا‏:‏ نحن من سلامان قدمنا لنبايعك على الإسلام ونحن على من وراءنا من قومنا فالتفت إلى ثوبان غلامه فقال‏:‏ ‏"‏ أنزل هؤلاء الوفد حيث ينزل الولد ‏"‏ فلما صلى الظهر جلس بين المنبر وبيته فتقدمنا إليه فسألناه عن أمر الصلاة وشرائع الإسلام وعن الرقى وأسلمنا وأعطى كل رجل منا خمس أواق ورجعنا إلى بلادنا وذلك في شوال سنة عشر‏.‏

 وفيها قدم وفد محارب

في حجة الوداع على رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

أخبرنا محمد بن الباقي قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن علي الجوهري قال‏:‏ أخبرنا أبو عمر بن حيوية قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن معروف قال‏:‏ أخبرنا الحسين بن الفهم قال‏:‏ أخبرنا محمد بن سعد قال‏:‏ أخبرنا محمد بن عمر قال‏:‏ حدثني محمد بن صالح عن أبي وجزة السعدي قال‏:‏ قدم وفد محارب سنة عشر في حجة الوداع وهم عشرة نفر‏:‏ سواء بن الحارث وابنه خزيمة بن سواء فأسلموا ولم يكن أحد قط أفظ ولا أغلظ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في الوفد رجل منهم يعرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ الحمد لله الذي أبقاني حتى صدقت بك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إن هذه القلوب بيد الله ‏"‏ ومسح وجه خزيمة بن سواء فصارت له غرة بيضاء وأجازهم كما يجيز الوفد وانصرفوا‏.‏

 وفيها قدم وفد الأزد

روى ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر قال‏:‏ قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم صرد بن عبد الله فأسلم فأمره على من أسلم من قومه وأمره أن يجاهد بمن أسلم من أهل بيته من يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن‏.‏

وفيها قدم وفد غسان ووفد عاملة كلاهما في رمضان‏.‏

وفيها قدوم وفد زبيد على رسول الله صلى الله عليه وسلم لإسلامهم فروى ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر قال‏:‏ قدم عمرو بن معدي كرب في أناس من بني زبيد فأسلموا فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد عمرو ثم عاد إلى الإسلام‏.‏

 وفيها قدوم وفد عبد القيس

قال ابن إسحاق‏:‏ قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارود بن عمرو في وفد عبد القيس وكان نصرانيًا فأسلموا‏.‏

 وفيها قدم الأشعث بن قيس في وفد كندة

 وفيها قدم وفد بني حنيفة على رسول الله صلى الله عليه وسلم

وفيهم مسيلمة بن حبيب الحنفي الكذاب قال ابن إسحاق‏:‏ وحدثني بعض علمائنا‏:‏ أن بني حنيفة أتت بمسيلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستره بالثياب ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه ومعه عسيب من سعف النخل في رأسه خوصات فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يسترونه بالثياب كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لو سألتني هذا العسيب الذي في يدي ما أعطيتك ‏"‏‏.‏

وروى ابن إسحاق عن شيخ من بني حنيفة قال‏:‏ كان حديث مسيلمة على غير هذا‏:‏ أتى وفد بني حنيفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفوا مسيلمة في رحالهم فلما أسلموا ذكروا له مكانه وقالوا‏:‏ إنا قد خلفنا صاحبًا لنا في رحالنا يحفظها لنا فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما أمر به القوم فلما انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله وادعى النبوة‏.‏

قال مؤلف الكتاب‏:‏ وسيأتي خبره إن شاء الله تعالى‏.‏

 وفيها قدم وفد بجيلة

أخبرنا محمد بن أبي طاهر قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن علي الجوهري قال‏:‏ أخبرنا أبو عمرو بن حيوية قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن معروف قال‏:‏ أخبرنا أبو الحسين بن الفهم قال‏:‏ أخبرنا محمد بن سعد قال‏:‏ أخبرنا محمد بن عمر قال‏:‏ حدثني عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال‏:‏ قدم جرير بن عبد الله البجلي سنة عشر ومعه من قومه مائة وخمسون رجلًا فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يطلع عليكم من هذا الفج من خير ذي يمن على وجهه مسحة ملك ‏"‏‏.‏

فطلع جرير على راحلته ومعه قومه فأسلموا وبايعوا‏.‏

قال جرير‏:‏ فبسط رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعني وقال‏:‏ ‏"‏ على أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم شهر رمضان وتنصح للمسلمين وتطيع الوالي وإن كان عبدًا حبشيًا ‏"‏ فقال‏:‏ نعم‏.‏

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عما وراءه فقال‏:‏ يا رسول الله قد أظهر الله الإسلام وأظهر الله الإسلام والآذان في مساجدهم وساحاتهم وهدمت القبائل أصنامها التي كانت تعبد قال‏:‏ ‏"‏ فما فعل ذو الخلصة ‏"‏ قال‏:‏ هو على حاله فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هدم ذي الخلصة وعقد له لواء فقال‏:‏ إني لا أثبت على الخيل فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال‏:‏ ‏"‏ اللهم اجعله هاديًا مهديًا ‏"‏ فخرج في قومه وهم زهاء مائتين فما أطال الغيبة حتى رجع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أهدمته ‏"‏ قال‏:‏ نعم والذي بعثك بالحق وأحرقته بالنار فتركته كما يسوء أهله فبرك رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ على خيل أحمس ورجالها‏.‏